لبنان في دوامة الانقسام الإعلامي: كيف تحولت الوطنية إلى أداة للصراع؟


هذا الخبر بعنوان "لبنان في ممر الفصام الإعلامي: كيف تحولت "الوطنية" إلى عُصاب موروث؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد الحرب الأهلية في لبنان مجرد صراع على الأرض، بل امتدت لتشمل الفضاء الافتراضي وشاشات الهواتف الذكية، حيث تحولت المتاريس الإيديولوجية والنفسية إلى ساحات لمعارك بلا بارود. يعيش اللبنانيون اليوم انقساماً جماعياً يعيد إنتاج صدمات الماضي بأدوات العصر الرقمي، حتى أن الأجيال الشابة، التي كان يُعول عليها تجاوز السرديات القديمة، باتت تردد عصبيات الماضي بوعي زائف، محاصرة في فقاعات إعلامية تعزز الانتماءات الفئوية.
في هذا السياق، تحولت الوطنية إلى قناع للمصالح الفئوية، وفقدت معناها كمفهوم يجمع المواطنين تحت سيادة القانون. بدلاً من ذلك، أصبحت وجهة نظر نرجسية تُستخدم للتخوين والإلغاء. فالإعلام المرتبط بالخط المسيحي يربط الوطنية بالحياد والانفتاح على الغرب، بينما يراها الخط الشيعي في المقاومة والانخراط في محاور إقليمية، ويربطها الخط السني بالعمق العربي والسياسات الخليجية. هذا التفتيت للمفهوم يؤدي إلى تفتيت الواقع نفسه، حيث يصبح للحدث الواحد حقائق متعددة ومتناقضة.
عندما ينقسم الإعلام ويصبح لكل فئة قبلتها السياسية، يتحول من سلطة رقابية إلى سلاح تعبئة طائفية. هذا يغيب الهموم المعيشية المشتركة، مثل انهيار البنى التحتية والفقر، ويغذي معارك إيديولوجية لا تنتهي، محولاً السلم الأهلي إلى مجرد هدنة مؤقتة.
تتفاقم المشكلة في المناهج التعليمية التي تبدو وكأنها تعيد إنتاج العصبيات بدلاً من بناء المواطنة. غياب كتاب تاريخ موحد والاعتماد على مناهج تلقينية يفرغ العقول من النقد، مما يجعلها فريسة للسرديات الطائفية والعائلية. المدرسة الحالية لا تبني مواطناً بل تعيد إنتاج رعايا للطوائف.
إن المناهج التعليمية هي المدخل الأساسي لتفكيك هذه الإشكالية، فهي المرحلة التي يمكن فيها صياغة العقل النقدي قبل أن تختطفه وسائل الإعلام الموجهة. يجب أن يكون المنهج الوطني مختبراً لتفكيك الأساطير، لا مجرد سرد للأحداث. عندما تتعلم الأجيال كيف نشأت العصبيات وكيف استُخدمت، يتجرد المقدس الطائفي من هالته.
السبيل يبدأ بالانتقال بالتعليم من تلقين الهويات إلى بناء المواطنة الحقوقية، حيث يصبح الوطن مساحة لحماية الحقوق والحريات تحت سيادة القانون. لكن هذا الطرح يصطدم بنظام المحاصصة الطائفية الذي يدافع عن بقائه بشراسة، خوفاً من أن يؤدي صناعة عقل نقدي إلى نهايته.
أمام هذا الانسداد، يقع الكثيرون في فخ اليأس، معتبرين التغيير مستحيلاً. لكن صلابة هذه الأنظمة وهمية وهشة، وتتآكل بفعل عجزها عن تأمين حياة كريمة لمواطنيها. التغيير في لبنان لا يحدث بثورة مفاجئة، بل عبر استراتيجية النقر التراكمي المستمر، وإحداث ثقوب في جدار النظام من خلال مسارات بديلة تتجاوز القنوات الرسمية.
في عصر الديمقراطية المعرفية، لم تعد السلطة تحتكر مصادر المعلومة. المبادرات الأهلية، الجامعات المستقلة، منصات الإعلام البديل، والبودكاست الفكري، كلها تمثل مدرسة موازية تصيغ الوعي الجديد خارج شاشات التلفزة الطائفية ومناهج الدولة العقيمة. إن إنقاذ لبنان يتطلب دعماً مطلقاً لكل ثقب يُصنع في الجدار الصلب للنظام. كل شاب يرفض الانقياد الأعمى، وكل منصة تفضح الزيف الطائفي، وكل مساحة تعليمية تبني التفكير النقدي، هي حجر أساس في بناء الكتلة الحرجة القادرة على قيادة الرأي العام وفرض شروط فكرية وسياسية جديدة. السلم الأهلي الدائم يصنعه وعي المواطن الذي يدرك أن كرامته الإنسانية وحقوقه الفردية هي السقف الوحيد للوطن.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة