لبنان
سياسة

رواية ناصيف عن غازي كنعان: كشف أسرار الهيمنة السورية على لبنان

المدن٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٤٤ ص0 مشاهدة
رواية ناصيف عن غازي كنعان: كشف أسرار الهيمنة السورية على لبنان

تنويه

هذا الخبر بعنوان "رواية ناصيف لسيرة غازي كنعان: أحقاد النظام السوري في لبنان" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

من الصعب تقديم إحاطة كاملة لوجه السلطة السورية البشع في لبنان عبر سيرة غازي كنعان، خاصة وأنها تأتي من صحافي محترف ك نقولا ناصيف، بأسلوبه الدقيق المدعم بالوثائق والمقابلات، ولغته السينمائية المشوقة. لكن حجم التمزقات التي صنعتها سكاكين كنعان ومن نصّبه حاكماً للبنان، تستحق المساهمة في جهد لا يقتصر على قراءة واحدة لما أكده ناصيف أنه "جزء من سيرة سوريا في لبنان كما سيرة لبنان في سوريا". بالأحرى سيرة لحقبة "توخّت تحقير نظام وتدمير هوية وطن وتفكيك تنوعه".

يسلط الكتاب الضوء على محطات مفصلية ومجهولة للرأي العام اللبناني. لا يشكل الكتاب الفضيحة الأولى في خضوع الطبقة السياسية اللبنانية للنظام السوري البعثي، فقد سبق وكشف النائب السابق إيلي الفرزلي عن جانب كبير من هذه الفضيحة في كتابه. كتاب ناصيف هو تتويج للفضائح التي نشأت من مساهمة الطبقة اللبنانية الخاضعة لـ"أسطورة" غازي كنعان. من هنا تبدأ ما أصر على توصيفه بـ"لعبة الروليت" السورية – اللبنانية التي نشأت من رحم الهيمنة التي صاغها نظام الأسد الأب ولاحقاً الابن، وتفجرت بشكل دموي وكان غازي كنعان عنوانها الأبرز، في العام نفسه الذي انسحب فيه الجيش السوري من لبنان.

يفصّل ناصيف لا رواية "اغتيال – انتحار" غازي كنعان فحسب، بل المسار في إمساك نظام بشار الأسد بما اعتُبر انخراطاً من كنعان في انقلاب يؤدي إلى الإمساك بالسلطة في دمشق. يتضمن الكتاب تفاصيل عن المراقبة والتعقب والمداهمات والحديث عن الرشاوى والأموال. المشهد الأكثر دراماتيكية هو استدعاء كنعان إلى مكتب بشار الأسد الذي أبلغه وقوفاً بوجوب "التصرف"، بعدما قدم إليه ملفات أو أسمعه شرائط تسجيل لـ"تآمر" كنعان عليه. جوهر إسدال الستارة بالطريقة العنيفة المعتادة، ما تصور للنظام أنه تهيئة لبديل علوي "قادر على استقطاب الجيش والطائفة العلوية"، بعد اجتياح العراق والتلويح الأميركي بالإنقضاض على نظام دمشق.

ما يضيفه ناصيف ليس مجرد معلومات عن الاغتيال والملابسات السياسية، بل شهادات وإشارات إلى بدء التغيّر في التعاطي مع الطبقة اللبنانية – السورية مع صعود بشار الأسد، بل وباسل الأسد قبل مصرعه. حاول باسل إقناع والده بإبعاد غازي "المتغطرس" إلى سوريا، لكن كلا السلوكين من الأخوين كان مختلفاً مع ما انتهجه حافظ الأب، الذي أوكل إلى الثلاثي حكمت الشهابي – عبد الحليم خدام – غازي كنعان إدارة "الملف اللبناني".

تحضر مفارقات العلاقة السورية مع مسيحيي لبنان في الكتاب. كشف ناصيف عن تصريحات واضحة لكنعان بضرورة بناء علاقة وثيقة بين المسيحيين والعلويين. في المقابل، أظهر سلوك كنعان وتصريحاته احتقاراً دفيناً للمسيحيين، ربما بسبب شعوره بالمهانة والذل لما ترسخ في وعي الضابط الشاب من عمل النساء والرجال العلويين في قرى شمال لبنان المسيحية وطرابلس.

في الكتاب مشهد جديد للاعتقالات مع الضباط الموالين للعماد ميشال عون. حقق كنعان بنفسه مع ضباط ميدانيين أصغر رتبة اشتهروا في ساحل المتن الشمالي، هم شامل روكز وأندريه رحال وجورج خميس. على المقلب الآخر، يقدم الكتاب تشريحاً جديداً للعلاقة التي طلبها قائد القوات اللبنانية سمير جعجع مع غازي كنعان، بدءاً من الحرب بين الجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون و"القوات"، ومن خلال الرئيس الياس الهراوي، وعبر نادر سكر.

الجديد في هذه الرواية تداعيات وصول العلاقة بين جعجع وسوريا إلى الحائط المسدود، بعد تلمس جعجع أن أقصى ما سيحصل عليه في نظام الطائف هو مماثل لحجم حلفاء سوريا المسيحيين، كالياس حبيقة وميشال المر وغيرهما. في هذه التداعيات، دخول مدير المخابرات السابق ميشال رحباني، كـ"لاعب" مدافع عن جعجع في مسيرة الانقضاض السوري – اللبناني الأمني عليه. فمن خلال "ضرب" رحباني الشاهد الرئيسي المثير للجدل في ملف تفجير كنيسة سيدة النجاة، جريس الخوري، بـ"الرينجر"، يكشف ناصيف عن العلاقة المعقدة التي ربطت بين رحباني وجعجع وكنعان.

اللافت والمفارقة في اضمحلال دور كنعان و"سحبه" إلى سوريا حيث قُلصت صلاحياته، هو قدرة إميل لحود على "طرده" من لبنان مستقوياً بـ"زند" بشار الأسد. بل بما سمعه من حافظ الأسد بعد لقائه الأول به، لجهة أن "غازي كنعان ممنوع من دخول وزارة الدفاع" اللبنانية. وضع لحود بهذا الاستقواء المضاد لمعادلة "إما أنا أو كنعان في لبنان"، فاستطاع في زمن التحولات أن ينتزع إنجازاً لنفسه مكّنه من استخدامه في صراعه مع رفيق الحريري.

هنا تتضح مجدداً خفايا "لعبة الروليت" التي أوصلت إلى النهاية الدامية في العام 2005 لهذا التشابك المنتقل إلى تشابك آخر بين الأسد (ومن النظام محمد ناصيف أبو وائل وآصف شوكت) وكل من السيد حسن نصرالله وإميل لحود. يرسم ناصيف تحليلاً نفسياً عميقاً لشخصية غازي كنعان البالغة الانفصام، والذي تطور في أعوامه الأخيرة مع اندثار أحلامه ونفوذه. تضمنت سيرة كنعان تفاصيل كثيرة عن حجم الأموال التي يتقاضاها والرشاوى التي خصص لها مدخل خاص من "فيلا عنجر".

امتدت صياغة ناصيف لسيرة كنعان لتطال سلفه، العقيد محمد غانم، وسلوكه الحواري مع خصوم دمشق في لبنان. وامتد التوسع بطبيعة الحال إلى شخصية آصف شوكت وبروزه مرعباً من الضباط الكبار وبموازاة "قصقصة" أجنحة كنعان ليتدهور إلى نهايته الدموية. الكتاب يعكس ما عكسته الوثائق والتقارير من الأرشيف الخاص للرئيس أمين الجميل وضمنها تقارير تنصت من المخابرات اللبنانية. استُعملت موارد أجهزة التنصت في سبيل تقديم رؤية أوسع للحكم اللبناني في الثمانينات، بما في ذلك التنصت على كنعان نفسه في حواراته مع مساعديه.

إنه "فيلم" بالغ التشويق في حبكته للصورة الأكثر شراسة في سيطرة النظام السوري على لبنان. ينتهي بمشاهده المثيرة من حيث بدأ، في التصادم بين شكوك النظام والضباط اللصيقين ببشار الأسد، وبين رهانات غازي كنعان في "لعبة الروليت" الذي جعلته في صلب "مشروع سياسي لرئيس الحكومة اللبنانية" رفيق الحريري. إنه الفيلم – الكتاب الأكثر إثارة لأحزان اللبنانيين، أو أقله الشريحة التي لم تتورط وابتعدت عن علاقات مصلحية مع نظام لا يرحم.

شارك الخبر: