خريف أوروبا الوسطى: انهيار الصفقة القديمة وتصاعد الغضب الشعبي


هذا الخبر بعنوان "ليس ربيعاً أوروبياً... إنه خريف الوسط" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا تكشف العناوين عن جوهر الأزمة الأوروبية. فالوسط الأوروبي لم ينهار بسبب قوة المتطرفين، بل بسبب انتهاء الصفقة التي كان يحميها. في ستراسبورغ، تظاهر المحتجون ضد الأوضاع الراهنة. ماذا يحدث لقارة لا تملك زمام حربها ولا مصدر طاقتها؟
لم تطرح أوروبا هذا السؤال على نفسها، بل طرحته عليها الشوارع. في مدريد، نصب الشباب خيامهم في ساحة بويرتا ديل سول معبرين عن غضبهم. وفي لشبونة، أصبحت ساحة روسيو ملاذاً للمشردين. في بروكسل ولييج، تبادل الطلاب والشرطة الحجارة والغاز المسيل للدموع. وفي ميلانو، تحطمت واجهات المحلات. وفي تيرانا، هتف الطلاب ضد حكومتهم. قارة بأكملها خرجت إلى الشارع في أسبوع واحد، كأن جرحاً قديماً قد انفتح فجأة.
كانت فرنسا مسرحاً لأوضح المشاهد. ففي 18 سبتمبر، أضرب معلمون في كريتاي، إحدى ضواحي باريس، احتجاجاً على نقص المعلمين وتصدع جدران الفصول. كان احتجاجاً صغيراً بحجم مدرسة. وبعد شهر واحد، في 17 أكتوبر، خرج إلى الشوارع ما بين 550 ألفاً و800 ألف متظاهر. احترقت بلدية ليموج، التي صمدت لأكثر من قرن، واعتقل أكثر من ألفي شخص. بدأت القصة في مدرسة، واشتعلت بسبب الديزل. فارتفاع الأسعار وحده لا يشعل الشوارع، بل يشتعل عندما يقع على رواتب لا تكفي لتغطية النفقات. بلغ التضخم في فرنسا 3.1% في سبتمبر، وفي إيطاليا 4.2%، بينما ارتفعت أسعار المنتجات النفطية في فرنسا بنسبة 36%. ويعمل نصف العاملين الفرنسيين بأجور تقل عن 2,190 يورو شهرياً. في المقابل، بلغ التضخم في سويسرا، الجارة الهادئة، 1% فقط، وبلغ الراتب الوسيط فيها 7,024 فرنكاً. لم تنجُ سويسرا لأنها لم تتأثر بالعاصفة، بل لأنها امتلكت ما تواجه به: عملة خاصة بها، وطاقة تنبع من أرضها، وقراراً لم تسلمه لأحد.
وهنا يكمن السر الذي لا تقوله العناوين. لم يسقط الوسط الأوروبي لأن المتطرفين أقوى منه، بل لأن الصفقة التي كان يحرسها انتهت. عاشت أوروبا عقوداً على صفقة غير معلنة: أمنها بيد واشنطن، وطاقتها من موسكو، وسلمها الاجتماعي ممول من دولة الرفاه. ثم انقطع الغاز الروسي، واشتعلت حرب في الشرق الأوسط، وأُغلق مضيق هرمز، فتضاعف سعر الديزل، وارتفع سعر الغاز بنسبة 140%، ودفعت القارة نحو مئة مليار يورو ثمناً لحرب لم تخضها. ثم جاء التقشف ليغلق آخر الأبواب.
لكن أوروبا لم تكن ضحية هذه الصفقة وحدها، بل شريكة في صناعتها. فقد اختارت أن تستعير أمنها، وتستورد طاقتها، وتطمئن إلى رفاه ظنت أنه يحميها من تقلبات العالم. وحين تبدلت المصالح، اكتشفت أن السيادة لا تُقاس بما تملكه الدول من مؤسسات، بل بما تستطيع اتخاذه من قرارات حين تضيق الخيارات. فهل فقدت أوروبا استقلالها، أم أنها اعتادت تأجيل ثمنه حتى جاء من يطالبها بالسداد؟
المفارقة أن واشنطن، التي أشعلت الحرب، هي أول من برّأ نفسها. كتب ترامب أن
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة