لبنان
منوعات

25 عامًا من التضحية والأمل: قصة أب وابنه في اليمن

النهار٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٣٢ ص0 مشاهدة
25 عامًا من التضحية والأمل: قصة أب وابنه في اليمن

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""في الطريق إليكم"" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

على مدار خمسة وعشرين عامًا، عاش أبو أحمد بين الديون والحرمان، يحمل ابنه على كتفيه، مؤجلًا قوت يومه ليوفر له التعليم ويفتح له بابًا للمستقبل. كان يرى في ابنه شجرته الوحيدة التي ستثمر يومًا وتظلل شيخوخته.

في سوق مدينة تعز، بتاريخ 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تجسدت قصة أبو أحمد وابنه محمد سعيد حميد، الذي قضى ربع قرن في سبيل تعليم ابنه.

تخرج أحمد بتفوق، لكن الفرحة لم تدم طويلاً في ظل الدمار. طرق الأب والابن كل الأبواب بحثًا عن عمل، لكنها ظلت مغلقة في وجه أحمد. ألحّت الأم على أحمد بالزواج، آملة أن يجلب البركة للبيت، لكن الفقر كان أقسى من الأمل.

تحول البيت إلى ساحة صراعات؛ صرخات أطفال، أطباق مكسورة، وتلاسن بين الزوجة والأخوات. أكل الهم قلب الأم، ورأت في ابنها عبئًا إضافيًا بسبب زواجه. صبت جام غضبها عليه قائلة: "لو كنت جادًا لوجدت عملاً! الجوع التهمنا، أبوك متقاعد وراتبه الزهيد مقطوع، ضيعت عمرك وعمرنا!". كان أحمد يستمع بصمت، بارًا بوالديه، ينكسر من الداخل كي لا يؤذيهما.

في ليلة ممطرة، وتحت ضغط الشجار وضيق العيش، صرخ أبو أحمد بصوت مرتعش: "اخرج... لم أعد أتحمل. اذهب إلى حيث تجد نفسك. هذا البيت لم يعد يتسع لنا جميعًا". فزعت الأم، وتجمدت زوجته مذهولة، بينما حدق الطفلان في أبيهما بصمت. رأى أحمد الدموع في عيني أبيه، لكن القرار اتُخذ. بلع غصته وذهب ليلملم ثيابه. لحقته زوجته غاضبة وحزينة، قائلة: "لن أبقى دقيقة بعدك في هذا البيت".

قبل مغادرته، ترك أحمد ورقة صغيرة على سرير أبيه كتب فيها: "أبي العزيز، لم أخالف لك أمرًا. حملت حقيبتي المدرسية كل صباح مبتسمًا، بحثت عن عمل حتى يبست قدماي. لم أستطع أن أكون بطلاً في قصة لم أكتبها. اليوم أُلقى في واقع تنهش فيه الذئاب كل من يسقط. وما أقسى أن يسقط الإنسان من الداخل. كنت تقول لي وأنا صغير: إن خانتك الدروب يا صغيري، فتعال إليّ. اليوم، أنا خائف يا أبي. أخاف من الشوارع. من الغد. من الجوع".

بعد أيام، طرق باب الأب رجل يرتدي زيًا رسميًا وسأله عن أبو أحمد المنصوري. أخرج الرجل محفظة وبطاقة وصورة، قائلاً: "عثرنا على هذه المحفظة عند نقطة التماس". نظر الأب إلى الصورة، كانت لأحمد طفلاً على كتفيه. مسح عنها الغبار وضمه إلى صدره.

أخرج الأب هاتفه، وخلفه كانت أم أحمد تحتضن طفلي أحمد بعد أن تركت أمهما البيت. أعاد قراءة رسالة أحمد الأخيرة: "أبي، لقد وجدت عملاً. أنا في الطريق إليكم". غرق الأب في النحيب وأسند رأسه إلى الباب المفتوح، وظل ينتظر.

شارك الخبر: