لبنان
سياسة

سوريا: البحث عن العدالة الانتقالية في ظل تحديات الأرشيف الرقمي المفقود

المدن٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٣٠ ص0 مشاهدة
سوريا: البحث عن العدالة الانتقالية في ظل تحديات الأرشيف الرقمي المفقود

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سوريا تبحث عن عدالة انتقالية في أرشيف مفقود!" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في إطار منتدى "خبز ونت" الذي تنظمه مؤسسة "سمكس"، عُقدت جلسة نقاشية تحت عنوان "من المراقبة إلى المساءلة: لماذا يجب أن تكون الحقوق الرقمية جزءاً من العدالة الانتقالية في سوريا؟". هدفت الجلسة إلى تسليط الضوء على واقع الحقوق الرقمية في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، وأهمية دمجها في مسار العدالة الانتقالية، مع التركيز على حماية حقوق الإنسان والحريات الرقمية، وتوثيق الانتهاكات وكشفها ومساءلة مرتكبيها.

أكد بسام الأحمد، المدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، على الأهمية الخاصة للحقوق الرقمية في سياق العدالة الانتقالية السورية. وأوضح أن هذه الحقوق لا تقتصر على حرية التعبير وحماية البيانات الشخصية، بل تتكامل مع ركائز العدالة الانتقالية الأساسية، وتدعم إنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة، وحفظ الذاكرة الوطنية، وتعزيز المساءلة الجنائية، وإصلاح المؤسسات.

وأشار الأحمد إلى أن النقاشات التي تلت سقوط نظام الأسد ركزت بشكل شبه حصري على الأدلة المادية، مثل الوثائق الورقية، متجاهلةً الأهمية المحورية للأدلة الرقمية في توثيق الانتهاكات وإثبات المسؤوليات، خاصة وأن بعض الوثائق المادية تعرضت للإتلاف. وشدد على ضرورة توسيع مفهوم حماية الأدلة ليشمل البيانات الرقمية المخزنة على الخوادم، وتسجيلات كاميرات المراقبة، وغيرها من الأدلة الإلكترونية التي قد تكون حاسمة في كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا. وحذر من أن غياب الاستراتيجيات المتخصصة أو القصور في التعامل مع هذه الأدلة يهدد بفقدان معلومات جوهرية ضرورية لمسارات العدالة الانتقالية والمساءلة الجنائية، مما يستدعي وضع آليات فعالة لحماية الأدلة الرقمية والبيانات الإلكترونية وتوثيقها وحفظها.

من جانبه، أبرز وائل موسى، خبير الأمن الرقمي والتكنولوجي، الأهمية الاستراتيجية للأدلة الرقمية في تحقيق العدالة الانتقالية، خاصة في ظل صعوبة الوصول الميداني إلى مسارح الجرائم أو تعرض الأدلة فيها للتدمير. وأوضح أن البيانات الرقمية يمكن أن توفر إثباتات على انتهاكات حقوق الإنسان، لا سيما عندما تضيع الأدلة المادية. وأضاف أن السجلات والتسجيلات الرقمية تساهم في إثبات منهجية الجرائم والركن الجنائي، وتكشف أن الانتهاكات قد تكون جزءاً من خطط منهجية أو أوامر صادرة عن قيادات عليا. كما يمكن استخدام تقنيات تحليل الصور والفيديوهات والبيانات الوصفية لتحديد هويات الجناة والضحايا وكشف الحقائق المرتبطة بجرائم محددة، مثل مجزرة التضامن.

ودعا موسى إلى إنشاء أرشيف رقمي وطني للعدالة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، لا يقتصر دوره على جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات، بل يشمل أيضاً حفظ الوثائق والشهادات والصور والتسجيلات، وإتاحتها للجمهور وفق ضوابط تضمن حماية الخصوصية وسلامة الأدلة. واعتبر أن هذا الأرشيف يعزز الحق في الوصول إلى المعلومات، ويحفظ الذاكرة الوطنية، ويواجه إنكار الجرائم ومحاولات تزييف التاريخ.

في السياق ذاته، تناول رياض علي، القاضي السابق والمستشار القانوني في منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، التحديات القانونية والتقنية المتعلقة بحماية الحقوق الرقمية. وأشار إلى أن التشريعات الحالية لا توفر ضمانات كافية لحماية الخصوصية والبيانات الشخصية، بل قد تتيح انتهاك الحقوق والحريات في ظل غياب الرقابة القضائية الفعالة. وانتقد القانون رقم 20 لعام 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم الإلكترونية، معتبراً أن فلسفته العقابية الفضفاضة تجرم حرية التعبير، وتسمح بملاحقة الأفراد بسبب آرائهم عبر الإنترنت. وأكد أن هذه التشريعات لا تستوفي المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وأن كثيراً منها يعود إلى حقبة النظام المخلوع.

وأوضح علي أن التكنولوجيا استخدمت كأداة للرقابة وانتهاك حقوق الإنسان، من خلال إساءة استخدام الأجهزة الأمنية لها وممارسة التنصت خارج إطار القانون. كما أن القوانين الإجرائية تعتمد على وسائل الإثبات التقليدية، دون مواكبة التطورات المرتبطة بالأدلة الرقمية، مما يفرض تحديات على عمليات التوثيق والمساءلة. ودعا إلى إصلاح الإطار القانوني والمؤسسي، ومراجعة القوانين الفضفاضة، ووضع ضمانات قانونية واضحة للوصول إلى البيانات الشخصية والاتصالات، تخضع لرقابة قضائية مستقلة.

واقترح علي إنشاء هيئة رقابية مستقلة لحماية البيانات، وتطوير قواعد الإثبات الرقمي، وبناء قدرات القضاة والمدعين العامين، وتأمين سبل انتصاف فعالة للأشخاص الذين تتعرض بياناتهم للانتهاك. وأشار إلى أن البيانات والسجلات موزعة بين مؤسسات الدولة والشركات ومؤسسات المجتمع المدني، مع تفاوت في حساسيتها والمخاطر المرتبطة بها. واعتبر أنه لا يمكن إصلاح منظومة إدارة البيانات دون تحديد الجهات التي تحتفظ بالمعلومات الشخصية والحساسة وتقييم طبيعتها والمخاطر المرتبطة بها.

طرح القيمون على الجلسة مجموعة من الإجراءات الضرورية لحماية البيانات وتنظيم الوصول إليها، تبدأ بجردة شاملة للبيانات والأنظمة، وتصنيفها وفق درجة حساسيتها، وتحديد الغرض من جمعها والصلاحيات المرتبطة باستخدامها. وأكدوا على أهمية تأمين البيانات عبر التشفير والنسخ الاحتياطية الآمنة، والحفاظ على سلامة السجلات والأدلة، وتوثيق عمليات نقلها والوصول إليها. وفي ما يتعلق بالتعامل مع الأنظمة والبيانات الموروثة عن المرحلة السابقة، اقترحوا اعتماد مسار تدريجي يبدأ بحصر السجلات وتقييم مخاطرها وتأمينها، ثم تحديد ضوابط الوصول إليها، مع ضرورة إخضاع القرارات المرتبطة بهذه البيانات لرقابة مستقلة وبمشاركة الجهات المعنية بحقوق الضحايا.

وخلصت الجلسة إلى ثلاث توصيات أساسية: إصلاح الإطار القانوني والمؤسسي، وحماية الأرشيفات والبيانات الموروثة، وبناء حوكمة رقمية تتمحور حول حقوق الناس. وأكدت أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تتحقق دون معالجة القواعد التي تنظم جمع البيانات واستخدامها والوصول إليها.

شارك الخبر: