لماذا يعود الاهتمام بـ"اليسار الجديد"؟ استعراض لكتب حديثة تعيد قراءة تجربة اليسار اللبناني


هذا الخبر بعنوان "لماذا العودة إلى "اليسار الجديد"؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الآونة الأخيرة، شهدت الساحة الثقافية اهتمامًا متزايدًا بكتب تتناول مسار ما عُرف بـ"اليسار الجديد"، وذلك بعد مرور أكثر من نصف قرن على تداعيه. يأتي هذا الاهتمام في سياق سرديات متنوعة ومن أجيال مختلفة، مما يثير تساؤلات حول أسباب هذا الاهتمام المتجدد.
من بين الإصدارات البارزة، كتاب المحاضر في جامعة السوربون سامي دورليان "محسن إبراهيم من خلال كتابه ـ الأعمال المجهولة لقائد يساري لبناني"، الذي رحب به موقع "بيروت الحرية". سبقه كتاب الباحثة دلال البزري "يساريون لبنانيون في زمانهم"، الذي يتناول مسيرة يساريين شيوعيين في لبنان بدءًا من الستينيات والسبعينيات، مستعرضًا سِيَرهم وممارساتهم وفكرهم. تتساءل البزري عن دوافع انتمائهم للشيوعية، والسياقات التي حكمت مسارهم، وكيف وصل بهم الأمر إلى الاختلاف حول قضايا جوهرية مثل سلاح "حزب الله" والنظامين السوري والإيراني، وهل لا يزالون يعتبرون أنفسهم يساريين وبأي معنى. تجيب البزري عن هذه التساؤلات من خلال مقابلات مع أكثر من خمسين شيوعيًا، بالإضافة إلى ما كتبوه وما كتبه رفاقهم وخصومهم، وتستعرض تجارب انتقال مثقفين من تنظيمات مختلفة، وشهادات عن الكتيبة الطلابية في حركة فتح، ومناقشة للثورة الإسلامية في إيران وتأثيرها على بعض اليساريين.
كما خصص الباحث والمؤرخ أحمد بيضون فصلاً في كتابه "في مهب النكبة اللبنانية/ أشواك ووقفات" بعنوان "لبنان الاشتراكي/ ظهور جماعة من شبيبة اليسار الجديد". ودوّن المؤرخ فواز طرابلسي كتاب "زمن اليسار الجديد"، الذي يتضمن تجربته في اليسار ولبنان الاشتراكي. وأخيرًا، أصدر أستاذ الأنثروبولوجيا فادي بردويل كتاب "الثورة والخيبة/ اليسار الجديد وقيود التحرير"، الذي يبحث في أرشيف لبنان الاشتراكي ولقاءات مع شخصيات بارزة.
يُظهر كتاب دورليان اهتمامًا خاصًا بشخص محسن إبراهيم، الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي. بينما يتعمق كتاب البزري في سيرة وممارسات وفكر اليساريين الشيوعيين في لبنان، مستكشفًا دوافع انتمائهم للشيوعية والسياقات التي شكلت مساراتهم، وصولًا إلى اختلافاتهم حول قضايا سياسية واجتماعية معاصرة.
يشير بيضون إلى أن تأسيس تنظيم "لبنان الاشتراكي" في عام 1964 كان بمثابة بداية لجماعة ماركسية صغيرة، وأن تنوع خلفيات المؤسسين، بمن فيهم عناصر قادمة من حزب البعث، يعكس مزاجًا ميّز شبيبة تلقت إعدادًا غربيًا. ويرى أن هذا التنوع كان يعكس أيضًا مزاجًا ميّز شبيبة تلقت إعدادًا غربيًا، ولكنه كان أيضًا "تنوعًا خادعًا" لا يعكس الصورة التي اتخذتها المجموعة لاحقًا. ويؤكد بيضون أن غلبة البعثيين القدامى في النواة المؤسسة لم تكن محض اتفاق، بل كانت معطى تعليليًا لفهم ظاهرة "اليسار الجديد"، مشيرًا إلى انفصال الوحدة السورية المصرية كعامل مؤثر على الجيل الشاب.
يشرح بيضون مكنون "لبنان الاشتراكي" وتوجهاته، معترفًا بأن الجهد المتصل للتنديد بالمواقف السياسية للحزب الشيوعي اللبناني كان "الطريق الإلزامي إلى ما سمي "تجديد اليسار""، وأن هذا "التحرر الذاتي" انقلب إلى شعور بالعجز عن التأثير في الأحداث الحاسمة. ويخلص إلى أن "لبنان الاشتراكي"، بعد ضجره من المأزق الذي حبسه فيه تصوره الطموح، انتحر حوالي عام 1970 بإلقاء نفسه في ما سمي لاحقًا "منظمة العمل الشيوعي".
من جانبه، يعود بردويل إلى ستينيات القرن العشرين لاستحضار الأرشيف الضائع لليسار اللبناني الجديد، مركزًا على ثلاثة محاور: دور المثقفين كحاملين للنظرية الثورية، والتنظيم السياسي كوسيط بين النظرية والممارسة، وأشكال التضامن القومية والأهلية. يتتبع الكتاب تشكل التجربة النظرية لـ"لبنان الاشتراكي"، ويتوقف عند أثر هزيمة حزيران/يونيو 1967، والنقاشات المرتبطة بالماوية والثورة والتنظيم، ثم التحولات التي صاحبت الحرب الأهلية اللبنانية وما أعقبها من مراجعات وخيبات فكرية وسياسية. تمتد فصوله لتشمل قضايا تتصل بابن خلدون والاستشراق والثورة الإيرانية.
تتعدد أسباب العودة إلى اليسار الجديد، فإذا كانت الفكرة البحثية عند دلال البزري في الأصل عن اليسار العربي الذي انقسم حول الانتفاضة السورية، بين مؤيد لها أو مؤيد للنظام، فإن البحث تحول إلى جولة موسعة بين كتّاب هذا اليسار. وقبل الانشغال باليسار السوري أو العربي، انتبهت إلى أسبقية اليسار اللبناني على الانقسام حول الانتفاضة السورية، وإلى الجذور الحيّة لهذا الانقسام، العائد بدوره إلى الانقسام الوطني اللبناني حول وصاية النظام السوري، المرتبط برعاية هذا النظام لحزب الله، ودور هذا الحزب في حماية ذاك النظام عسكريًا. في مقابل هذا، حين نشر فواز طرابلسي فصله عن "لبنان الاشتراكي"، قال في تقديمه "من رحم تجربة "لبنان الاشتراكي" ونقدها الذاتي، يبرز سؤال اليوم: هل يمكن للعدالة الاجتماعية، بتأمين فرص متساوية وتوزيع عادل للموارد، أن تجوّف الطائفية اقتصاديًا واجتماعيًا وتحدّ من التظلّم الطائفي؟" يعود طرابلسي في كتابه إلى تجربة "اليسار الجديد" بوصفها سيرة جيل بقدر ما هي سيرة تنظيمات وأفكار، وينطلق من تتمّة "صورة الفتى بالأحمر" ليحكي مساري "لبنان الاشتراكي" و"منظمة العمل الشيوعي في لبنان"، وما رافقهما من أحلام ثورية ونقاشات فكرية وانكسارات سياسية. لذلك يقرأ الكتاب في آنٍ واحد كمذكّرة شخصية وتاريخ داخلي لزمن عربي ولبناني كانت فيه السياسة مسألة وجود يومي لا مجرّد موقف نظري.
في حين تستحضر البزري الجوانب التي ينقسم حولها اليسار من المقاومة إلى الأنظمة وعلاقتها بها، لا يستدعي بردويل أعمال جيل المناضلين القدامى لتقديم إجابات جاهزة عن "حاضر مأزوم بالتفتت الأهلي والترابط الرأسمالي"، بل التساؤلات التي واجهوها "استعادت راهنيتها غداة الثورات العربية والحركات المناهضة للرأسمالية عالميًا".
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة