لبنان
ثقافة

مجدي الحجار: كيف يُعيد العشق تشكيل العمر في ديوانه "نسقي بأحزاننا قصب النهر"؟

النهار٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٨ ص0 مشاهدة
مجدي الحجار: كيف يُعيد العشق تشكيل العمر في ديوانه "نسقي بأحزاننا قصب النهر"؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مجدي الحجّار في "نسقي بأحزاننا قصب النهر"... ما الذي يفعله العشق بالعمر؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ديوانه الخامس، "نسقي بأحزاننا قصب النهر"، الصادر عن دار النهضة العربية، يغوص الشاعر مجدي الحجار في أعماق العشق، مستكشفاً ما يحمله من شوق وفقد. تتشابك في قصائده أصداء الغزل والإشارات الصوفية، لتطرح سؤالاً عميقاً عن العمر: ما الذي يبقى منّا فيمن نحبّهم، وماذا يتبقى منهم حين يغيبون؟

يقلب الحجار في عنوان ديوانه العلاقة بين الإنسان والطبيعة؛ فالقصب، الذي يحتاج الماء لينمو، يُسقى هنا بالأحزان. يبدو النهر، الذي يفترض أن يروي النبات، وكأنه ينتظر شيئاً من دواخلنا، كأنّ ما فاض عن القلب يجد طريقه للحياة خارجه. يصبح الحزن، منذ هذه العتبة، عنصراً في دورة تحوّل، يغادر صاحبه ليغذي ما قد يعود إليه يوماً ما كصوت.

من هذا المنطلق، يمكن الاقتراب من شعر الشاعر، العميد المتقاعد في الجيش اللبناني، دون اختزال تجربته في المفارقة بين خشونة العسكر ورقّة الشعر. فالسيرة تفتح سؤالاً عن علاقة الذات بالانضباط والانفلات، لكن القصائد وحدها تجيب: كيف يتكلم الإنسان حين يعجز عن ترتيب داخله؟ وأيّ لغة يحتاجها القلب حين يفشل في إخضاع رغباته لما يعرفه عن الحياة؟

الحزن، الذي يبحث عن تجسيد بين عنوان الديوان وقصيدة "النهر والناي"، يسري خيطاً مائياً نحو الموسيقى. القصب الذي تسقيه الأحزان، ثم يُقطع عن منبته، يُفرَّغ قلبه ليعبر فيه النَّفَس. كأنّه لا يجد صوته إلا بعد فقد جذوره، ولا يغني إلا بما تركه الفقد في داخله من فراغ. هذا يذكرنا بافتتاح "المثنوي" لجلال الدين الرومي، حيث يشكو الناي فراق أصله، ويحمل أنينه شوقاً إلى الوصل.

عنوان الحجار يفتح باباً لسؤال يسبق ولادة الناي: ماذا نسقي بأوجاعنا؟ بما أن الفعل بصيغة الجمع، فإن الحزن يتجاوز اعتراف الشاعر الفردي. هناك آخرون يشاركونه هذا السقي، وذاكرة تتكون من خسارات متعددة. قد ينبت القصب من حصيلة ما عجز الجميع عن قوله. هنا تنشأ إمكانية لقراءة الشعر كتحويل للألم، مع الاحتفاظ بالفارق بين التحويل والخلاص. فالقصيدة تمنح الخسارة شكلاً قابلاً للمشاركة، لكنها لا تعيد الغائب، ولا تسترجع ما استُهلك من العمر. يظل في الموسيقى شيء من الجرح الذي جعلها ممكنة.

الغزل أمام امتحان الزمن:

عنوان "مقام الوصل" يفتح باباً على معجم مشترك بين القصيدة الغزلية والتجربة الصوفية. الوصل غاية العاشق، و"المقام" يمنحه معنى الإقامة والثبات، كأن اللقاء المهدد بالانقضاء يبحث عن موضع يستقر فيه. تتجاور في المقطع المرفق مفردات الشوق والوجد والسرّ والكتمان والجهر، وهي مفردات تحمل ذاكرة طويلة من التعبير عن الحب، تتداخل فيها رغبة البوح والخوف من انكشافه. قيمتها تتحدد بما تحدثه في العلاقة: ماذا يتغير حين يُعلن السرّ؟ وهل يخف حمل العاشق حين يقوله، أم يصبح أكثر تعرضاً لما يخشاه؟

من هذه الزاوية، يمكن قراءة الغزل عند الحجار كاختبار لحدود التعبير. فالعاشق يريد أن يمنح إحساسه كلاماً يوازيه، فيما يظل الإحساس أوسع من العبارة. تتكرر محاولة القول لأن القول السابق لم يبلغ الغاية، ولأن الوصل نفسه قد يبقى ناقصاً، حتى في حضور المحبوبة. ويكتسب هذا النقص ثقلاً آخر حين يدخل الزمن. عنوان "هذا العمر" يضع الإشارة على ما نملكه الآن، فيما يوحي المقطع المرفق بتناقصه. عندئذ تصبح الرغبة مشدودة إلى ما يفوت أيضاً. نحب وفي داخلنا معرفة بأن الوقت لا ينتظر اكتمالنا، وأن بعض ما نؤجله يفقد إمكان تحققه.

صوفية السؤال:

تمنح إشارات الوجد والوصل والنور والسرّ شعر مجدي الحجار نبرة روحية تتسع فيها لغة الغزل لمناجاة أعمق. تتردد هذه المفردات محمّلة بذاكرتها العرفانية، وتلتقي بحرارة الشوق الإنساني، فيغدو العشق معرفة تنضج في القلب، ويصبح حضور المحبوب نافذة تنفتح منها الذات على أسرارها وعلى رحابة العالم. في هذا الأفق، تتجلى رهافة التجربة: الحب يغير العين التي ترى، ويوقظ في الأشياء ضوءاً كان خافياً. وكل اقتراب من المحبوب يكشف مسافة أخرى تستدعي الشوق، كأن الوصل وعد يتجدد كلما ظن القلب أنه بلغه. ومن هذه الحركة بين اللقاء والتوق، تستمد القصيدة نبضها الداخلي، وتكتسب الحيرة جمالها كيقظة دائمة أمام ما يستعصي على الإحاطة.

تظل المرأة في قلب هذا الإشراق، بحضورها الحسي وملامحها الحميمة، بما توقظه من رغبة وحنين، وما تفتحه من أسئلة. يمنحها الغزل كثافة الحضور، فيما تمنح هي اللغة قدرتها على التجدد، يتسع أثرها من تفاصيل اللقاء إلى تأمل العمر، ومن رجفة القرب إلى الإصغاء لما يتركه الغياب في الروح. هكذا تتجاور في شعر الحجار عذوبة الغزل وأصداء المناجاة، ويأخذ العشق مداه بين جسد يشتاق وقلب يتأمل. وفي المسافة بينهما تتنفس القصيدة، حاملة حرارة التجربة ورهافة الإصغاء إلى سرّها.

للمحبة وجوه… وللغياب صوته:

يتسع المجال الوجداني في المختارات مع قصيدة "يا ابنتي لو تعلمين!"، فتدخل المحبة امتحاناً مختلفاً. خطاب الابنة يحمل معرفة لا يسهل نقلها: ما الذي يستطيع الأب أن يقوله عما يخشاه عليها، وما الذي ينبغي أن يتركه لها لتختبره بنفسها؟ في النداء رغبة في إيصال ما لم يُقل، وربما في تدارك المسافة بين عمق المحبة وقدرتنا على إظهارها. ومن خلال هذه المسافة يستطيع شعر الأبوة أن يبلغ أثره: أن يتركنا نشعر بأن أقرب الناس إلينا قد لا يعرفون تماماً كيف نحبهم.

وتأتي قصيدة "مات غالب"، المهداة إلى قريب رحل بوباء كورونا، لتضع الصوت أمام غياب نهائي. ففي مقاطعها يعود صوت المفقود وضحكته إلى ذاكرة الجماعة. الرثاء هنا يجد مادته في ما بقي من عادات اللقاء، في التفاصيل التي تواصل الحضور بعدما يغيب صاحبها. هكذا يختبر الحب أقسى وجوهه: أن يستمر موجهاً إلى من لن يجيب.

الصورة بين الموروث والمغامرة:

تتحرك المختارات بين القصب والنهر والطير والفرس والكأس، مستعيدةً مخزوناً مألوفاً من الصورة الشعرية. وهذه الألفة تضع الكتابة أمام امتحانها: كيف تُحمَّل الصورة الموروثة تجربة تخص صاحبها؟ متى يصبح النهر هذا النهر، والحزن وجعاً لا يمكن استبدال صاحبه؟ يقدّم العنوان وعداً واضحاً في هذا الاتجاه. فإسناد السقي إلى الأحزان يغير وظيفة الحزن، ويعيد توزيع الحاجة بين الإنسان والطبيعة. ومن هذا التحويل يمكن طلب المزيد داخل القصائد: أن تفاجئنا العلاقات بين الأشياء، وأن يخرج المجاز من ضرورة التجربة.

في "نسقي بأحزاننا قصب النهر" تلوح ذات تحاول أن تفهم ما بقي لها عبر ما أحبته وما فقدته. وبين الوصل والرثاء، يتخذ العشق هيئة إصغاء طويل إلى العمر. وربما لهذا يصلح القصب عتبة لهذا العالم: ينمو صامتاً، ثم يحمل، إذا صار ناياً، أنفاس إنسان آخر. كأنّ ما لم نستطع احتماله وحدنا يجد في القصيدة صدراً يتسع له.

شارك الخبر: