الذهب في مهب الريح: هل ينجو من الهبوط أم يواصل الانحدار؟


هذا الخبر بعنوان "ما الذي أسقط الذهب؟ وهل يستعيد بريقه أم يواصل الهبوط؟" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت أسعار الذهب موجة بيع حادة خلال الأسبوع المنتهي في 23 تشرين الأول، حيث انخفضت إلى ما دون 4 آلاف دولار للأونصة للمرة الأولى منذ منتصف تموز. يأتي هذا التراجع وسط مخاوف متزايدة من استمرار التضخم ورهانات على رفع أسعار الفائدة الأمريكية مجدداً قبل نهاية العام.
على الرغم من أن التوترات الجيوسياسية كان من المفترض أن تدعم الطلب على الذهب كملاذ آمن، إلا أن ارتفاع أسعار النفط وموجة البيع في أسواق الأسهم دفعت المستثمرين إلى تقليص مراكزهم وجني السيولة. انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنحو 4% خلال الأسبوع، مسجلاً أسوأ أداء أسبوعي منذ حزيران، بعد أن لامس مستوى 3975 دولاراً للأونصة قبل أن يتداول قرب 4 آلاف دولار. وأغلقت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم كانون الأول عند 4007.90 دولارات للأونصة.
لم يكن الهبوط نتيجة عامل منفرد، بل تداخلت عدة ضغوط، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة، وتغير توقعات السياسة النقدية، وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة، إلى جانب عمليات تصفية للمراكز الاستثمارية. أعادت هذه التحركات التساؤل حول قدرة الذهب على الاحتفاظ بجاذبيته كملاذ آمن عندما تدفع ضغوط الأسواق المستثمرين إلى بيع الأصول لتوفير السيولة.
كان ارتفاع أسعار النفط أحد أبرز العوامل التي ضغطت على الذهب. فقد صعد خام برنت إلى أعلى مستوى له في أكثر من خمسة أشهر، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات بعد اعتداءات الميليشيات الحوثية على منشآت نفطية في السعودية. أعادت هذه التطورات مخاطر ارتفاع تكاليف الطاقة إلى الأسواق، في وقت يترقب فيه المستثمرون مسار التضخم الأمريكي وقدرة البنوك المركزية على مواصلة تيسير السياسة النقدية.
يكمن تأثير ارتفاع النفط على الذهب في أنه قد يرفع تكاليف النقل والإنتاج ويزيد الضغوط التضخمية، مما يقلص فرص خفض أسعار الفائدة سريعاً، بل يعزز احتمال تشديد السياسة النقدية إذا استمر التضخم فوق المستويات المستهدفة. عادة ما يستفيد الذهب من تراجع أسعار الفائدة أو انخفاض العوائد الحقيقية، لأنه لا يدر عائداً دورياً. أما عندما ترتفع توقعات الفائدة وعوائد الأصول المنافسة، فتزداد تكلفة الاحتفاظ به مقارنة بالسندات والأدوات التي تقدم عائداً.
عززت بيانات التضخم الأمريكية الأقوى من المتوقع، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة، رهانات الأسواق على احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في كانون الأول. وفي حين كانت الأسواق تتوقع على نطاق واسع تثبيت الفائدة في اجتماع تشرين الأول، اتجهت الأنظار إلى نبرة البنك المركزي وإشاراته بشأن الأشهر المقبلة.
إلى جانب النفط والفائدة، ساهم التراجع الحاد في أسهم شركات التكنولوجيا في تسريع خسائر الذهب. دفعت عمليات البيع في أسواق الأسهم بعض المستثمرين إلى توفير السيولة لتغطية طلبات الهامش أو تقليص المخاطر في محافظهم، مما أدى إلى بيع أصول أخرى، من بينها الذهب. توضح هذه الحركة أن الطلب على الملاذات الآمنة لا يؤدي دائماً إلى ارتفاع أسعارها بصورة فورية. ففي فترات اضطراب الأسواق، قد يضطر المستثمرون إلى بيع الذهب، حتى مع تصاعد المخاطر، إذا كانت حاجتهم إلى السيولة أكبر من رغبتهم في الاحتفاظ بالأصول الدفاعية.
أظهر تراجع الذهب بالتزامن مع انخفاض بعض عوائد السندات وضعف الدولار خلال جزء من موجة البيع أن تحركات المعدن لم تكن مرتبطة بعامل واحد فقط؛ إذ تداخلت توقعات الفائدة مع عمليات تصفية المراكز الاستثمارية والعوامل الفنية.
لم تقتصر التساؤلات بشأن أسباب هبوط الذهب على أسعار النفط والفائدة؛ إذ برزت أيضاً تحركات البنوك المركزية بين البيع والشراء. وتشير البيانات المتاحة إلى أن بعض المؤسسات الرسمية قلصت حيازاتها، لكن الصورة لم تكن موحدة، كما لا تتوفر أدلة كافية للجزم بأن هذه المبيعات كانت المحرك الرئيسي للهبوط خلال الأسبوع.
واصلت روسيا بيع جزء من احتياطياتها من الذهب. وأظهرت بيانات نشرها البنك المركزي الروسي أن حيازاته تراجعت بنحو 6.2 طن في أيلول، لتصل إلى 2264 طناً، وهو أدنى مستوى منذ نهاية عام 2019. وبذلك تكون روسيا قد خفضت حيازاتها بنحو 62 طناً منذ كانون الأول 2025، في ظل ضغوط مالية مرتبطة بتمويل عجز الموازنة. يمكن لمبيعات الذهب الرسمية أن تزيد المعروض المتاح في السوق، وأن تضغط على الأسعار إذا تزامنت مع ضعف الطلب الاستثماري. غير أن أثرها يعتمد على حجم الكميات المباعة وتوقيت طرحها في السوق، وعلى قدرة الطلب من المستثمرين والبنوك المركزية الأخرى على امتصاص المعروض الإضافي.
في المقابل، لم تكن الصين من البنوك المركزية البائعة، بل واصلت زيادة احتياطياتها. ووفق بيانات مجلس الذهب العالمي الصادرة في تشرين الأول، أضاف بنك الشعب الصيني 23 طناً إلى حيازاته في أيلول، وهي أكبر زيادة شهرية منذ تشرين الأول 2023. ورفعت هذه المشتريات إجمالي ما أضافته الصين منذ بداية العام إلى 103 أطنان، لتصل حيازاتها الرسمية إلى 2410 أطنان. تكشف هذه الأرقام عن اختلاف توجهات البنوك المركزية؛ فبينما لجأت روسيا إلى بيع الذهب في إطار عمليات مرتبطة بالتمويل، واصلت الصين تعزيز احتياطياتها من المعدن. لذلك لا يصح تفسير التراجع الأخير على أنه نتيجة موجة بيع موحدة من البنوك المركزية، بل ينبغي وضع المبيعات ضمن صورة أوسع تشمل الطلب الرسمي والاستثماري والتطورات الاقتصادية العالمية.
تبدو التوقعات قصيرة الأجل أكثر حذراً بعد كسر الذهب مستوى 4 آلاف دولار. فاستمرار ارتفاع أسعار النفط، أو صدور بيانات تضخم قوية، أو تبني «الاحتياطي الفيدرالي» نبرة أكثر تشدداً، قد يبقي الأسعار تحت الضغط ويشجع مزيداً من عمليات البيع، خصوصاً إذا تراجعت توقعات خفض الفائدة أو ارتفعت احتمالات زيادتها. كما أن استمرار التداول دون المستوى النفسي البالغ 4 آلاف دولار قد يزيد الضغوط الفنية، مع احتمال أن يلجأ بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم إذا لم يتمكن المعدن من استعادة هذا المستوى سريعاً.
لكن هذا الاحتمال يظل مشروطاً بتطورات السوق، ولا يعني أن الهبوط سيستمر بالضرورة. في المقابل، قد يجد الذهب دعماً إذا هدأت أسعار الطاقة، أو تراجعت مخاوف التضخم، أو أظهرت البيانات الاقتصادية تباطؤاً يعيد توقعات خفض الفائدة إلى الواجهة. وقد تساعد أي زيادة جديدة في الطلب الاستثماري أو مشتريات البنوك المركزية على الحد من الخسائر، وإن كانت هذه العوامل لا تضمن ارتداداً فورياً.
تبقى اجتماعات البنوك المركزية والبيانات الاقتصادية المقررة خلال الأسبوع التالي محورية في تحديد اتجاه السوق. ومن أبرز المحطات قرار مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، ثم اجتماع البنك المركزي الأوروبي، إلى جانب بيانات التضخم الأمريكية ومؤشرات النمو. سيبحث المستثمرون في القرارات والتصريحات عن مؤشرات توضح ما إذا كانت ضغوط الأسعار الناجمة عن الطاقة ستؤخر التيسير النقدي أو تدفع إلى تشديد إضافي.
لا يعني الهبوط الأخير بالضرورة أن الذهب فقد دوره كأداة للتحوط، لكنه يوضح أن هذا الدور لا يعمل بمعزل عن ظروف السيولة والسياسة النقدية. فعندما ترتفع أسعار الطاقة وتتعزز توقعات الفائدة، قد تتغلب تكلفة الاحتفاظ بالذهب على الطلب الناتج عن المخاطر الجيوسياسية. وإذا تزامنت هذه العوامل مع تراجع حاد في الأسهم، فقد يتحول المعدن نفسه إلى مصدر للسيولة لدى بعض المستثمرين.
على المدى الأبعد، تظل مشتريات البنوك المركزية، والمخاوف المتعلقة بالعجز المالي والديون، والتوترات الجيوسياسية، من العوامل التي قد تدعم الطلب على الذهب. غير أن هذه العوامل لا تمنع حدوث تصحيحات حادة عندما تتغير توقعات أسعار الفائدة أو تتعرض الأسواق لعمليات تصفية واسعة. بذلك، يدخل الذهب المرحلة المقبلة أمام اختبار مزدوج: قدرته على استعادة مستوى 4 آلاف دولار، وقدرة الطلب الاستثماري والرسمي على موازنة الضغوط الناجمة عن النفط والتضخم وتوقعات السياسة النقدية. وستحدد إشارات البنوك المركزية والبيانات الاقتصادية ما إذا كان الهبوط الأخير تصحيحاً موقتاً أم بداية فترة أطول من الضغوط على المعدن الأصفر.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد