لبنان
سياسة

محاكمة الأسد: نهاية حقبة وبداية تساؤلات حول مستقبل الشرق الأوسط

النهار٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٦ ص0 مشاهدة
محاكمة الأسد: نهاية حقبة وبداية تساؤلات حول مستقبل الشرق الأوسط

تنويه

هذا الخبر بعنوان "كي لا يتكرر الأسد!" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في 11 أغسطس 2026، شهدت دمشق حدثاً تاريخياً مع صدور حكم الإعدام بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وابن خالته عاطف نجيب، بعد أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد. هذا الحكم، الذي أصدرته محكمة الجنايات السورية، أعاد إلى الأذهان تفاصيل الأحداث المروعة التي عصفت بالبلاد، وكأنّ السوريين يفتحون كتاباً ثقيلاً حاول الكثيرون إغلاقه.

تختلط المشاعر أمام منطوق الحكم الذي جمع لأول مرة تلك الوقائع في ملف قضائي واحد، مما جعل الصورة أكثر وضوحاً وقسوة. يتساءل المرء كيف استطاع نظام أن ينام بينما تملأ صرخات المعتقلين السجون، ويبكي الأطفال هلعاً، ويبحث الآباء والأمهات عن أبنائهم المفقودين أو المقتولين دون أن يجدوا قبراً لزيارته. لقد تمزق نسيج المجتمع السوري الاجتماعي، وهُجرت الملايين، وتحولت المدن إلى ركام، ولم يجد المظلوم باباً لقانون مستقل أو قضاء يحميه.

إن شهوة السلطة، عندما تقترن بالخوف والغرور وغياب المؤسسات، تتحول إلى مرض سياسي مدمر، كما شهدنا في عراق صدام حسين وليبيا مع معمر القذافي. تحت غطاء المذاهب والأديان، تتشابه الأمراض السياسية: حاكم يعتقد أن الدولة ملكه وأن الناس رعاياه. ومن المفارقات أن بعض النصوص القانونية التي استُخدمت لإدانة أفعال النظام كانت قوانين صدرت في العهد السابق، مما يبرز الفجوة بين النص والتطبيق.

كان شعار "الأسد إلى الأبد" يزعج العين في المدن السورية، لكن تجربة البشرية أثبتت أن القهر قد يطول ولكنه يحمل في داخله بذرة سقوطه. لم يرتكب نظام الأسد مجازر بحق السوريين فحسب، بل سخر من جنوده أيضاً، كما كشفت أشرطة أرشيف لونا الشبل. يتحول الاستبداد إلى ثقافة داخل دائرة السلطة: احتقار الناس، والاستهانة بالقانون، وإنكار الحقيقة.

يثير تساؤل حول عدم تطرق المحكمة لدور النظام السوري في لبنان، وارتباطه باغتيالات وصراعات تركت جروحاً عميقة، أبرزها اغتيال رفيق الحريري. كانت الأنظمة الشمولية تتعامل مع الرأي العام بتقديم روايات سريعة تحول الأنظار عن الحقيقة، كما فعلت بثينة شعبان بعد اغتيال الحريري.

إن القضية اليوم أكبر من بشار الأسد، وتتجاوز ممارسات نظامه في سوريا. السؤال الذي يجب أن يشغل النخب العربية هو: متى يتخلص هذا الشرق من وباء الدكتاتوريات الصلفة التي تحكم بالحديد والنار؟ الحاكم المستبد يضيق على نفسه طريق النجاة كلما ولغ في الدم، ويدخل الدولة في دائرة مغلقة من الدمار.

ليست المشكلة في شخص يظهر ثم يختفي، بل في البيئة التي تسمح بصناعته، والثقافة التي تصفق له، والنخب التي تبرر أخطاءه، والمؤسسات التي تتنازل عن استقلالها. لذا، فإن محاكمة الأسد لا تكفي وحدها. الامتحان الحقيقي هو بناء دولة لا تستطيع إنتاج أسد آخر. متى يصل هذا الشرق المبتلى إلى اكتشاف زيف الشعارات، ورفض الشمولية، والإيمان بأن المؤسسات أقوى من الأفراد، وأن القانون العادل فوق الجميع؟ هذه أسئلة على النخب العربية أن تجيب عنها قبل أن يتكرر انتشار الوباء.

شارك الخبر: