التحول الرقمي في لبنان: نهاية الهدر وبداية عصر الإصلاح والشفافية


هذا الخبر بعنوان "التحوّل الرقمي "نهاية الإهدار وبداية الإصلاح"" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد الدول الحديثة تُقاس ببراعتها في إدارة المعاملات الورقية، بل بقدرتها على تسخير التكنولوجيا لتقديم خدمات سريعة وشفافة، وحماية المال العام، وتحقيق إيرادات عادلة ومستدامة. وفي لبنان، الذي يعاني من تراكم الأزمات المالية والإدارية، لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار تقني، بل أصبح ضرورة وطنية لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة ثقة المواطنين بها.
يمتلك لبنان استراتيجية وطنية للتحول الرقمي للفترة 2020–2030، أقرت في عام 2022. ومع ذلك، يظل التحدي الأساسي في الانتقال من الخطط إلى التنفيذ الشامل، وربط الإدارات ضمن منظومة حكومية موحدة. تبدأ الخطة بإنشاء قيادة وطنية موحدة للتحول الرقمي، بالتنسيق بين رئاسة مجلس الوزراء، ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، ووزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ووزارتي المال والاتصالات. تتولى هذه القيادة وضع جدول زمني ملزم، وتحديد أولويات التنفيذ، وتوحيد المعايير التقنية، ومراقبة النتائج.
يجب أن تبدأ العملية بمسح شامل للمعاملات والإيرادات والنفقات والموارد البشرية في جميع الوزارات، تمهيداً لإلغاء الإجراءات المكررة، وربط قواعد البيانات، واعتماد الهوية الرقمية والتوقيع الإلكتروني والدفع الإلكتروني والأرشفة المركزية الآمنة. لا يكفي تحويل الورقة إلى ملف إلكتروني، بل المطلوب إعادة هندسة الإجراءات نفسها لتصبح المعاملة الرقمية أسرع وأقل تكلفة، ومنع تكرار المستندات التي تمتلك الدولة بياناتها بالفعل.
يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل آلاف المعاملات المالية والإدارية، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، ومقارنة المبالغ المحصلة بالمستحقات، ورصد العقود المتكررة والأسعار المبالغ فيها والتضارب المحتمل في المصالح. وفي المشتريات العامة، يمكن للأنظمة الذكية مقارنة عروض الأسعار، والتنبيه إلى تجزئة المناقصات أو تكرار التلزيمات المشبوهة. وفي الموارد البشرية، يمكنها كشف الرواتب غير المتوافقة مع سجلات الموظفين، والدوام غير المبرر، والازدواجية في الاستفادة من بعض الخدمات. لكن الذكاء الاصطناعي ليس قاضياً ولا بديلاً من الرقابة البشرية؛ بل هو أداة لتحديد المخاطر، على أن تخضع النتائج للتحقق والتدقيق، مع حماية البيانات الشخصية وحق الاعتراض، ومحاسبة المخالفين وفق القانون.
يتطلب نجاح المشروع أن تمتلك كل وزارة خطة رقمية خاصة مرتبطة بمنظومة وطنية واحدة:
الجباية: لا يمكن للدولة أن تستعيد توازنها المالي إذا بقيت الإيرادات رهينة المعاملات الورقية والتقديرات غير الدقيقة. لذلك، يجب إنشاء سجل موحد للرسوم والضرائب المستحقة، يربط بيانات المكلفين بالعقارات والشركات والتراخيص والفواتير، ويتيح الدفع الإلكتروني وإصدار إيصالات فورية. كما ينبغي نشر تقارير دورية عن الإيرادات المتوقعة والمحصلة، ونسب التحصيل والمتأخرات، مع إخضاع الأنظمة لتدقيق مستقل. ويجب أن تترافق هذه الخطوات مع تحديث القوانين، وتوحيد الإجراءات الضريبية، وتعزيز قدرات موظفي الجباية لتتلاءم مع النظام الجديد.
أشار صندوق النقد الدولي، في خارطة الطريق التي أعدها لتحديث الإدارة الضريبية اللبنانية عام 2025، إلى أن التحول الفعال يتطلب إصلاح التنظيم والإجراءات والموارد البشرية والأنظمة التقنية معاً، لا الاكتفاء بشراء برامج جديدة. يمكن إطلاق المرحلة الأولى خلال 90 يوماً، عبر تحديد الخدمات ذات الأولوية، وإحصاء الإيرادات والمستحقات، ووضع مؤشرات أداء لكل وزارة. وخلال السنة الأولى، تُرقمن المعاملات الأكثر استخداماً، وتُطلق بوابة حكومية موحدة، وتُربط أنظمة الدفع والجباية تدريجياً. ثم تُوسع المنظومة على مراحل، وفق نتائج قابلة للقياس. ويتطلب ذلك تمويلاً واضحاً، ومناقصات شفافة، وتدريباً للموظفين، وتشريعات للتوقيع الإلكتروني وحماية البيانات والأمن السيبراني (ويمكن ذلك من خلال إطلاق شبكة إنترنت وطنية داخلية)، فضلاً عن رقابة ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي والهيئات المختصة.
إن بناء الدولة الرقمية في لبنان ليس مشروعاً لشراء التكنولوجيا، بل لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة. فحين تصبح المعاملة قابلة للتتبع، والرسوم معلنة، والجباية موثقة، والإنفاق خاضعاً للرقابة، تتراجع فرص الإهدار والفساد، وتتحسن الخدمات، وتزداد قدرة الخزينة على تحصيل حقوقها. عندها فقط يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للإصلاح، والتحول الرقمي مدخلاً إلى دولة حديثة، منتجة، وعادلة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة