أوروبا في مفترق طرق: استعادة إرث المفكرين لمواجهة تحديات الهجرة والسيادة


هذا الخبر بعنوان "أوروبا بين الأمس واليوم..." نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مقال تحليلي معمق، يتساءل العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد عن حال أوروبا اليوم مقارنة بماضيها، مستعرضًا إرث كبار المفكرين الذين شكلوا فهمنا للدولة والسلطة والسيادة. من مكيافيللي وهوبز وروسو إلى توكفيل، طرح هؤلاء المفكرون أسسًا لفهم طبيعة الحكم واستقرار المجتمعات. لكن أين هم ورثة هؤلاء المفكرين اليوم؟ وهل غابت الاستراتيجية عن صانعي القرار لصالح الحسابات السياسية والاقتصادية والانتخابية؟
يشير المقال إلى أن مكيافيللي، في كتابه "الأمير"، تناول كيفية اكتساب السلطة والمحافظة عليها، وأن فكره يدفعنا للتساؤل عن قدرة الحاكم على الحفاظ على الدولة في ظل المخاطر المهددة لاستقرارها. كما يستعرض هوبز ورؤيته في "اللفياثان" لأهمية وجود سلطة عامة قادرة على فرض القانون كشرط للأمن والاستقرار، مشيرًا إلى أن الدولة التي تعجز عن تطبيق قوانينها تضعف ثقة مواطنيها. أما روسو، فقد بحث في "العقد الاجتماعي" العلاقة بين الفرد والمجتمع والمصلحة العامة، مما يثير تساؤلات حول كيفية تحقيق التوازن بين حقوق الوافدين والمواطنين.
ويستفيد المقال من فكر توكفيل في دراسته للديمقراطية والمؤسسات، متسائلاً عن قدرة المجتمعات الأوروبية على المحافظة على تماسكها وحماية حرياتها في مواجهة التحولات الاجتماعية. ويضرب المثل الشعبي "الرزق السايب يعلم الناس الحرام" ليختصر جانبًا من مشكلة غياب القواعد الواضحة وضعف تطبيق القانون، مؤكدًا أن الأمر لا يتعلق بكرم الدولة بل بقدرتها على إدارة حدودها وضبط الدخول والإقامة.
تُواجه أوروبا اليوم تحديات حقيقية تتعلق بالهجرة واللجوء والاندماج والأمن والتماسك الاجتماعي. ويشدد المقال على ضرورة التمييز بين الهجرة النظامية واللجوء والدخول غير النظامي، وعدم التعامل معها كقضية واحدة. فالحلول لا تكمن في فتح الحدود بلا ضوابط أو إغلاق الأبواب أمام المحتاجين، بل في حماية اللاجئ الحقيقي واحترام كرامة الإنسان مع تطبيق القوانين وحماية أمن المواطنين.
يثير المقال سؤالاً حساسًا حول ما إذا كان أبناء أوروبا قد يشعرون يومًا بفقدان السيطرة على مستقبل مجتمعاتهم. ويؤكد أن سوء إدارة الهجرة والاندماج، أو الإخفاق في تطبيق القانون، قد يفاقم التوترات ويعمق الانقسامات. ومن حق المجتمعات مناقشة مستقبل هويتها الوطنية ولغتها وثقافتها، ومن واجب الحكومات القيام بذلك بعقل استراتيجي، بعيدًا عن الإنكار أو التحريض.
ويخلص المقال إلى أن الدولة التي لا تحسن إدارة حدودها تخاطر بإضعاف ثقة مواطنيها، والدولة التي تتخلى عن قيمها الإنسانية تخاطر بخسارة هويتها الأخلاقية. ويطرح تساؤلاً حول استراتيجيو أوروبا اليوم، وهل يغلب الحساب الآنية على الرؤية الاستراتيجية؟ ربما تكمن المشكلة في عدم تحويل المعرفة إلى سياسة، والتحذيرات إلى خطط، والقيم إلى مؤسسات فاعلة.
في الختام، تؤكد أوروبا أنها ليست مطالبة بالتخلي عن إنسانيتها لحماية نفسها، ولا عن سيادتها لإثبات إنسانيتها. بل هي مطالبة بمعرفة من تستقبل، وكيف، وما الذي تستطيع استيعابه، وكيف تضمن احترام القانون وحقوق الجميع. فالدولة ليست فندقًا بلا إدارة، والديمقراطية ليست عجزًا عن اتخاذ القرار. الدرس الأهم هو أن الفكر الاستراتيجي يُقاس بقدرة الأجيال على قراءة الواقع واستشراف المخاطر واتخاذ القرار قبل تحول الأخطاء إلى أزمات. أوروبا مدعوة لإثبات أن تراثها الفكري لا يزال حيًّا في مؤسساتها وقراراتها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة