لبنان
ثقافة

لماذا يثير اسم الكواكبي قلق البعض؟ جدل حول حذف مفكر إصلاحي من المناهج السورية

المدن٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٢ ص0 مشاهدة
لماذا يثير اسم الكواكبي قلق البعض؟ جدل حول حذف مفكر إصلاحي من المناهج السورية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا يخافون الكواكبي؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

ترددت كثيرًا قبل أن أكتب هذه السطور، فلم أكن أرغب في إضافة المزيد من الانفعالات إلى ما يُكتب يوميًا، ولا في العودة إلى قصة أعرف أنها ستثير حساسية لدى البعض لا علاقة لها بجوهر ما أريد قوله. لكن، عشية سفري إلى دمشق، صُدمت بالخبر الذي تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي، وغاب عن الإعلام الرسمي السوري، حول التعديلات التي طالت مناهج التاريخ والعلوم الاجتماعية في المدارس السورية. لم تكن مجرد تعديلات تربوية قابلة للنقاش الهادئ، بل بدت لي مؤشرات مقلقة لعقلية تسعى لإعادة تشكيل الوعي عبر محو بعض الصور وتغيير أخرى، وتقديم التاريخ والمجتمع وفق رؤية ضيقة للعالم.

تحدثت الأخبار المتداولة عن صور نساء حُجبت شعورهن، ورسوم عُدلت لتتوافق مع تصورات دينية مسبقة، وتماثيل فرعونية أُضيفت إليها أغطية للجسد العاري، وغيرها من الأمثلة التي أثارت الاستغراب والسخرية. التخلف ليس في الحجاب أو اختياره، بل في العقلية التي لا تتقبل صورة امرأة غير محجبة في كتاب مدرسي فتقرر تعديلها، أو ترى في تمثال فرعوني خطرًا يستدعي التدخل لتصحيحه وفق مقاييس الحاضر. إنها عقلية لا تكتفي باختيار طريقة حياة لنفسها، بل تريد فرضها على الماضي أيضًا، وكأن التاريخ لا يصبح مقبولًا إلا إذا أعيدت صياغته على صورتها.

ما الذي يمكن أن يتعلمه طفل سوري من كتاب مدرسي تُعدّل فيه الصور لتتوافق مع قناعات واضعيه؟ أي رسالة تصل إليه حين يكتشف أن الحقيقة ليست ما يراه، بل ما يُسمح له برؤيته؟ المدرسة ليست مجرد مكان لتلقين المعلومات، بل هي مؤسسة يتشكل فيها وعي المواطن بنفسه وبمجتمعه وبالعالم. وإذا تحولت المناهج إلى أداة لفرض تصور أحادي عن المجتمع، فإننا أمام محاولة لإنتاج جيل يتعلم الامتثال قبل التفكير.

لكن المفاجأة التي مستني شخصيًا جاءت بعد ذلك. أرسل إليّ صديق صورة لصفحة من كتاب التاريخ للصف الثامن تتناول عبد الرحمن الكواكبي، وتعرّف به وبأفكاره ومؤلفاته. في المنهج الجديد، بحسب الصورة، حُذف هذا التعريف. توقفت عند الصورة طويلًا. لم يكن الأمر مجرد حذف اسم من كتاب مدرسي، بل استدعاء لسؤال أوسع: لماذا يُحذف الكواكبي؟ وما الذي يجعل أفكاره، بعد أكثر من قرن على رحيله، مصدر إزعاج إلى هذا الحد؟

ترددت مرة أخرى. هل أكتب عن جدي من جديد؟ هل أفتح الباب أمام من يتهمونني بالعيش في الماضي أو استثمار قرابتي منه، وكأن الاهتمام بإرث مفكر إصلاحي بارز لا يمكن أن يكون إلا امتيازًا عائليًا؟ وهل أستعيد السجالات العقيمة مع من يصرون على تحويل سيرته إلى مادة للتشويه والتخوين؟ أعرف أن البعض سيقول إنني أستحضر اسمه لأنني حفيده. لكن السؤال البسيط هو: لو لم أكن حفيده، هل كان حذف اسمه من كتاب التاريخ أمرًا عاديًا؟ وهل ينبغي للمرء أن يتخلى عن الدفاع عن قيمة فكرية لمجرد أن صاحبها من عائلته؟ القرابة قد تجعل المسألة أكثر إيلامًا، لكنها لا تلغي حق أي مواطن في الاعتراض على حذف شخصية فكرية من الذاكرة العامة.

لطالما لاحقت الكواكبي روايات غريبة، بلغت حد الكوميديا السوداء. أتذكر ادعاء أحد أساتذة اللغة العربية في جامعة حلب بأن الكواكبي كان عميلًا إيطاليًا، ونُقل من روما بعد لقاء مزعوم مع بابا الفاتيكان على متن باخرة إلى اللاذقية، حيث نقلته بارجة حربية إيطالية! لا أعرف كيف يمكن لأستاذ جامعي أن يروج لمثل هذه الحكايات بوصفها تاريخًا، أو كيف تتحول الأوهام إلى أحكام جاهزة على شخصية فكرية انتقدت الاستبداد العثماني.

لم يكن نقد الاستبداد دليلًا على العمالة. ولو كان كل من عارض سلطة قائمة عميلًا، لما بقي في تاريخ الفكر السياسي العربي مفكر واحد يمكن الاحتفاء به. انشغل الكواكبي بمسألة الاستبداد، والعلاقة بين السلطة وحرية الإنسان، وأسباب تراجع المجتمعات، وضرورة تحرير العقل من الخوف والخضوع. وهي أسئلة لا تفقد أهميتها بتغير الدول والحكام، بل تكتسب أهمية إضافية كلما عادت السلطة لتطالب الناس بالطاعة بدلًا من المساءلة.

في كتابيه

شارك الخبر: