لبنان
ثقافة

الحياة رحلة بين الفراغ والكمال: تأملات في معنى الوجود الإنساني

النهار٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٣٤ ص0 مشاهدة
الحياة رحلة بين الفراغ والكمال: تأملات في معنى الوجود الإنساني

تنويه

هذا الخبر بعنوان "جملٌ اعتراضيّة في كتاب الوجود" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

ما الإنسان إن لم يكن وعاءً ينتظر الامتلاء، ليكتشف في ختام مسيرته أن الفراغ كان الرفيق الأصدق؟ قد تبدو الحياة كفنجان قهوةٍ نعدّه بعناية فائقة، لكننا ننشغل عنه بالحديث، فيبرد. لا نأسف على القهوة الباردة بقدر ما نأسف على الكلمات التي طغت على دفئها. هكذا نمضي، نحضّر للفرح طويلاً، نصفه طويلاً، وحين نمدّ أيدينا إليه، نجده قد تحوّل إلى ذكرى في درجة حرارة الغرفة.

علّمنا الغياب أن الأشياء لا تبرز قيمتها إلا عند النقصان. لا ندرك قيمة الضوء إلا في العتمة، ولا نعرف لجدران البيت أهميتها إلا حين نُمنع من العودة إليه. يبدو الفقد هو اللغة الوحيدة التي تعرفنا بها الأشياء إلى نفسها، وكأن الحضور مجرد مسودة أولية، والغياب هو النص النهائي الذي تكتبه الأشياء عن ذاتها.

يُقال إننا لا نعبر النهر مرتين، والأدق أن النهر هو الذي لا يعبرنا مرتين. نحن من نتغير، ونصبح غرباء عن الماء الذي عرفناه. الوعي لعنةٌ أنيقة، أن تدرك أن الشيء يمضي وهو لا يزال بين يديك. كل لحظة هي فنجان يبرد بينما نتأمل بخاره، والتأمل نفسه يسرق الدفء. ربما كانت الكائنات التي لا تفكر أكثر حظاً، فهي تشرب القهوة ساخنة، ولا تدرك أنها ستبرد.

الذات مدينةٌ تُعاد إعمارها فوق أنقاضها مراراً لا تُحصى. تحت كل وجهٍ نحمله، وجهٌ سابقٌ مدفون، وتحت كل يقينٍ يقينٌ قد انهار. نُصلح الشروخ كل صباح ونسمي ذلك نضجاً، ثم تأتي أول مطرة، رائحة، لحن، أو جملة عابرة، فيسيل الطلاء ويكشف التاريخ كاملاً.

يُقال إن المرء يرحل خفيفاً حين لا يملك شيئاً، لكن أثقل الحقائب هي تلك التي نُعدّها ولا نسافر بها. في كل قلبٍ حقيبةٌ عند الباب منذ سنوات، لا تُفرَغ ولا تمضي، ونتعثر بها كلما حاولنا الدخول إلى أنفسنا، حتى نعتاد التعثر ونظنه مشياً.

الحياة سيجارةٌ يطفئها القدر دائماً في منتصفها. لا أحد يموت وقد اكتمل. كلنا جملٌ اعتراضية في كتابٍ لم نقرأ أوله ولن نبلغ آخره، نُكتب بين قوسين ونتوهم أننا المتن. ولعل في هذا النقصان حكمة خفية، فالأشياء المكتملة تموت من الملل، والناقصة تظل تشتهي، والشهوة هي الاسم الآخر للحياة.

الزمن ليس خطاً مستقيماً كما تعلمنا، بل هو دائرة تدور حول جرحها. الساعة على الجدار لا تقيس الوقت، بل تحصي عدد المرات التي عدنا فيها إلى الرقم ذاته، إلى الوجع ذاته، إلى الاسم ذاته، ونحن نظن أننا نتقدم.

ربما لا نشيخ لأن الأيام تمضي، بل لأنها تعود، ولأننا في كل عودة نجد الجرح في مكانه، أقل نزفاً وأكثر رسوخاً. الذاكرة لا تخوننا، بل تنتقي، وفي الانتقاء خيانة أنيقة. تحتفظ بلون فنجان مكسور، وتضيع وجه من كسره، ربما لأنها تعرف أننا لا نتحمل الحقيقة كاملة، فتعطينا ما يكفي للألم، لا ما يكفي للفهم.

الإنسان منفي بالفطرة، طُرد من رحمٍ دافئ، ثم من طفولته، ثم من دهشته الأولى، ثم من حبٍ ظنه أبدياً، ثم من يقينه. وكل بابٍ أُغلق في وجهه صار وطناً يحنّ إليه. فهل نسكن الأمكنة، أم نسكن الأبواب التي أُغلقت دوننا، ونسمي حنيننا إليها انتماء؟

لهذا اخترعنا اللغة، نكتب لنترك أثراً، فنكتشف أننا نبني للحظات الهاربة قصوراً من حبر، ثم نعود لنسكن الخراب. الكتابة لا تهزم الرحيل، ولا تمنح الخلود، بل تمنح حق الاحتجاج الجميل على الفناء.

وفي الليل، حين أرفع رأسي إلى السماء، يخطر لي أننا قد نكون نحن أيضاً ضوء نجومٍ ماتت. ما يراه الآخرون منا ليس نحن، بل ما كنا عليه قبل سنوات ضوئية من الوجع. يمدحون فينا بريقاً انطفأ مصدره منذ زمن، ولا يعرفون أن الضوء يصل متأخراً عن صاحبه. ولعل هذا هو العزاء الوحيد الممكن: أن نظل نضيء لأحدٍ ما بعد أن ننطفئ.

شارك الخبر: