لبنان
ثقافة

عيد القديس ديمتريوس: دعوة للتساؤل عن الانتماء الحقيقي في زمن المساومة

المركزية٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٥٢ ص0 مشاهدة
عيد القديس ديمتريوس: دعوة للتساؤل عن الانتماء الحقيقي في زمن المساومة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عودة: عيد القديس ديمتريوس فرصة لنسأل أنفسنا لمن ننتمي؟" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مناسبة عيد القديس العظيم في الشهداء ديمتريوس، ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عوده خدمة القداس في كنيسة القديس ديمتريوس في الأشرفية. وفي عظته، دعا المطران عوده المؤمنين إلى التفكير في معنى الانتماء الحقيقي، مستلهماً من حياة القديس ديمتريوس الذي اختار الشهادة للمسيح رغم إمكانية التمتع بالسلام والمجد والحياة المريحة.

وأشار المطران عوده إلى أن كلمات الرب في إنجيل اليوم، «بهذا أوصيكم أن يحب بعضكم بعضا. إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم... إن كانوا اضطهدوني فسيضطهدونكم»، ليست دعوة للخوف، بل هي تأكيد لحقيقة الطريق المسيحي. فمن يتبع المسيح لا يمكنه أن يجعل محبة العالم ومقاييسه مرجعاً لحياته.

وأوضح أن القديس ديمتريوس، الذي كان ضابطاً ذا مكانة في الجيش الروماني، أدرك أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك أو بالموقع الذي يحتله، بل بمن ينتمي إليه قلبه. وعندما تعارضت محبة المسيح مع متطلبات السلطة والبيئة المحيطة به، لم يخفِ إيمانه، بل جعله موقفاً وحياة وشهادة، معلناً أن المسيح أغلى من الحياة نفسها.

وتحدث المطران عوده عن واقع الإنسان المعاصر، الذي قد لا يُجبر على إنكار المسيح صراحة، ولكنه قد يُدفع إلى الصمت عن إيمانه وعدم الالتزام به، وفصل تعاليم الإنجيل عن حياته اليومية، ومسايرة الجميع حفظاً لمصالحه. وهذا يحول الخطر من اضطهاد إلى مساومة داخلية، ومن سيف يهدد الجسد إلى خوف يهدد القلب.

مستشهداً بالرسول بولس لتلميذه تيموثاوس: «تقو بالنعمة التي في المسيح يسوع»، أكد المطران أن المسيحي لا يعيش بقوته الشخصية، بل بالنعمة التي تمنحه القدرة على الجهاد. وأضاف: «إحتمل المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح»، مشيراً إلى أن المسيحية ليست طريقاً بلا صليب، بل دعوة لحمل الصليب وحفظ الأمانة وسط التجارب.

وأوضح أن استشهاد القديس ديمتريوس لم يكن بحثاً عن الموت، فالكنيسة لا تمجد الموت بل تطلب الأمانة في الإيمان حتى أمامه. فالشهيد هو الإنسان الذي اكتشف أن الحياة الحقيقية ليست في الحفاظ على النفس بأي ثمن، بل في حفظ العلاقة بالمسيح. ولذلك، فإن كان المسيح قد سار في طريق الصليب، فالتلميذ لا يستغرب أن يمر بالألم.

وشدد المطران على أن الإنجيل لا يتحدث عن الاضطهاد فقط، بل قبل كل شيء عن المحبة. فمن الممكن أن يتحدث الإنسان كثيراً عن الإيمان ويدافع عن العقيدة، لكن إذا كان قلبه ممتلئاً بالكراهية والحسد والدينونة، يكون قد نسي جوهر الوصية. فالقديس ديمتريوس لم يشهد للمسيح بالكلام فقط، بل بحياة غلبت فيها المحبة الخوف، والحق المساومة، والأمانة المصلحة الشخصية.

ونقل المطران عن القديس يوحنا الذهبي الفم قوله إن الشهادة لا تنحصر في احتمال الموت، وأن احتمال المشقات من أجل الله هو أيضاً لون من ألوان الشهادة. ولذلك، قد لا يُطلب من إنسان اليوم أن يموت من أجل إيمانه، بل المطلوب منه أن يموت عن أنانيته وكبريائه وغضبه وحقده وإدمانه على إرضاء الناس. وقد يُطلب منه أن يكون أميناً في عمله حين يكون الغش أسهل، وأن يحفظ عائلته حين تتلاشى القيم، وأن يغفر حين يكون الانتقام أكثر إغراء، وأن يقول الحق حين يخدم الصمت مصلحته.

واختتم المطران عظته بالقول: «إن موت المسيحي مع المسيح يبدأ قبل القبر. يبدأ كل يوم، حين يموت الإنسان عن «الأنا» التي تريد أن تكون مركز الكون. يبدأ عندما يضع الآخر قبل مصلحته، وعندما يختار الغفران والصلاة والرجاء والقداسة». ودعا المؤمنين إلى أن يكون عيد القديس ديمتريوس فرصة للتساؤل: «لمن ننتمي؟ ماذا يحدث لإيماننا عندما نتعرض للضغط؟ هل نعيش المسيح فقط حين يكون الأمر سهلاً، أم نبقى أمناء له حين نخسر شيئاً من راحتنا أو صورتنا أو مصالحنا؟ وهل نعكس في حياتنا شيئاً من نور المسيح؟»

وتمنى أن يكون القديس ديمتريوس شفيعاً للمؤمنين ليتعلموا كيف يحملون الصليب مع المسيح، مذكراً بقول الرب: «ستكونون لي شهوداً». وأكد أن العالم لا يحتاج فقط إلى مسيحيين يتحدثون عن المسيح، بل إلى مسيحيين يعيشون بروحه في البيت والعمل والمجتمع، في الخفاء كما في العلن. ودعا إلى العيش في العالم دون فقدان العلاقة بالمسيح، وحمل الصليب بلا تذمر، وحفظ الإيمان العامل بالمحبة، حتى إذا انتهت رحلة الحياة، نستطيع أن نقول مع الرسول: «قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان».

شارك الخبر: