لبنان
منوعات

ساعة لبنان: تأخيرٌ يعكس واقعاً مراوغاً وليس مجرد تغييرٍ زمني

النهار٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٥٢ ص0 مشاهدة
ساعة لبنان: تأخيرٌ يعكس واقعاً مراوغاً وليس مجرد تغييرٍ زمني

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عودةُ الساعة الضالّة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ليلة السبت إلى الأحد الماضيين، استعادت الدولة اللبنانية ساعةً كاملة من مواطنيها. لكن هذه الساعة، التي أعيدت دون فوائد أو استرداد للودائع المحتجزة منذ عام 2019، هي مجرد ساعة واحدة تُسترد في آذار دون سابق إنذار. في معظم دول العالم، يُعد تغيير الساعة حدثاً تقنياً بسيطاً، لكن في لبنان، أصبح تأخير الساعة فناً يعكس قدرة الشعب على الرجوع إلى الوراء في مختلف جوانب الحياة: الكهرباء، الرواتب، سعر الصرف، وحالة الطرقات التي تعود إلى سابق عهدها من الحفر كل شتاء. يبدو الأمر وكأن المطالبة بتأخير الساعة ستين دقيقة فقط هي إهانة لخبرة اللبنانيين في التراجع.

في البيوت اللبنانية، لا تتأثر كل الساعات بهذا التغيير، فساعة الفرن مثلاً، تظلّ تومض "00:00" بإصرار، وكأنها فقدت الإحساس بالوقت منذ سنوات، إذ تعود إلى الصفر كلما أعيد ضبطها بسبب انقطاع الكهرباء. إنها أشبه بـ"سيزيف" صغير يدفع صخرته الرقمية يومياً. ساعة الفرن اللبناني صادقة في عدم ادعائها معرفة الوقت، لأنها تعرف واقع البلد. أما الساعة الحقيقية التي يعيشها اللبناني، فهي ليست على الجدار أو المعصم، بل على باب البناية: جدول "الاشتراك" في المولد. بهذا التوقيت ننام ونصحو، نغسل ونكوي، ونقرر مصير المصعد. وعندما يسأل اللبناني "قدّيش الساعة؟"، فهو لا يستفسر عن الوقت، بل عن صاحب المولّد.

لا ننسى ربيع 2023، حين عجزت الدولة عن الاتفاق على توقيت موحد، مما جعل البلد يعيش بأيام بتوقيتين مختلفين. كان بالإمكان الانتقال من حي إلى آخر والوصول قبل الانطلاق، أو التأخر عن موعد لم يبدأ بعد. يومها، توقف اللبناني عن السؤال "قدّيش الساعة؟" ليصبح السؤال "قدّيش الساعة... عندكن؟". أصبح الزمن، الذي ظنّه أينشتاين نسبياً، طائفياً في لبنان. لو عاش أينشتاين في بيروت، لاحتاج إلى سرفيس من الحمرا إلى الأشرفية لإثبات نظريته.

في الواقع، لا يحتاج اللبناني إلى قرار رسمي للتأخر ساعة، فهو يعيش منذ عقود بتوقيت خاص لا تعترف به غرينتش، اسمه "هلّق". "هلّق" هي وحدة زمنية مرنة قد تعني دقائق أو ساعات أو حتى الأسبوع المقبل، ويرافقها "بكرا"، الذي ليس يوماً بل حالة ذهنية وأفق يبتعد كلما اقتربنا منه، كالسراب أو الوعود الوزارية بكهرباء 24 ساعة.

ماذا سنفعل بهذه الساعة المُهدَاة؟ سينام فيها الطلاب، وسيحتمل الموظفون زحمة جسر الكولا بارتياح أكبر، وستقلق الأمهات على أبنائهن المسافرين، فالقلق عند الأم اللبنانية لا يتأخر ولا يتقدم، بل يعمل بتوقيت عالمي. أما الشباب، فقد يقضونها في تعبئة استمارة هجرة، فهذه الساعة الإضافية هي غالباً ما يقرر فيها اللبناني الرحيل، قبل أن يستيقظ صباحاً ويقرر البقاء "لهلّق". المتقاعدون سيضيفونها إلى حنينهم، ويتحدثون عن "أيام زمان"، حين كانت الليرة ليرة، والبحر بحراً، والصيفية تمتد إلى أيلول. اللبناني لا يحتاج لتأخير الساعة ليعيش في الماضي، فهو يسكنه أصلاً ويدفع إيجاره بالدولار.

الساعات تعود ستين دقيقة، والدولة تعيد ما يسمح به القانون. فلنأخذ ساعتنا ونعيشها جيداً، فهي على الأرجح الشيء الوحيد الذي سنستعيده هذا العام كاملاً، دون "هيركات". وفي آذار، حين تأخذها الدولة منا مجدداً، لن نحتج، فنحن شعبٌ تعلّم أن يخسر الوقت بكرامة، ويبتسم، ويقول: "مش مشكلة... منعوّضها بكرا".

شارك الخبر: