تنويه
هذا الخبر بعنوان "الفدراليّة: هل نحلّ مشكلة لبنان بتفكيك المجتمع؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ عقود، اعتمد لبنان على الطائفة كإطار لتنظيم السلطة والمصالح. لا يُقصد بالطائفة هنا مجرد جماعة دينية، بل بنية اجتماعية وسياسية تتشكل حول زعمائها ومؤسساتها، ويلعب فيها رجال الدين دوراً سياسياً بارزاً. ورغم أن الطائفة ليست كتلة متجانسة المصالح، بل تضم أغنياء وفقراء وعمالاً وأرباب عمل، فإن زعيم الطائفة يواجه مصالح متعارضة يصعب حصرها في موقف واحد، مما يجعل عدم اتخاذ القرار خياراً آمناً للحفاظ على توازنات الطائفة. لكن الحفاظ على الزعامة يتطلب تأمين الولاءات، ومع استحالة تلبية مصالح الجميع، يصبح توزيع منافع الدولة أداة ضرورية للحفاظ على النفوذ. ويترافق ذلك مع خطاب الخوف من الآخر لتعزيز الالتفاف حول الطائفة، والاستناد إلى قوى خارجية طلباً للدعم والحماية. هنا تكمن المفارقة: ما يُقدَّم كحماية للطوائف يصبح عائقاً أمام قيام الدولة. فالدولة، على عكس الطوائف، هي الأداة القادرة على اتخاذ القرار، والفصل بين الداخل والخارج، ووضع السياسات العامة، وإدارة المصالح المتعارضة على أساس المواطنة.
هل يمكن للفدرالية أن تبني دولة؟ يقوم النظام الفدرالي على توزيع الصلاحيات بين أقاليم ذات حكومات وموارد خاصة، وسلطة اتحادية تمثل جميع الأقاليم وتدير الشؤون المشتركة. إذا قُسّمت الأقاليم على أساس طائفي، سيصبح زعيم الطائفة حاكماً للإقليم. وبما أن المشكلة تكمن في تضارب المصالح داخل الطائفة الواحدة وعجز زعمائها عن التوفيق بينها، فهل سيتمكن زعماء الأقاليم من إدارة هذه المصالح داخل أقاليمهم، أم أن الفدرالية ستنقل المشكلة إلى مستوى الإقليم بدلاً من حلها؟
لا تتوقف الإشكالية عند إدارة المصالح داخل الأقاليم، بل تشمل أيضاً القضايا التي تبقى من صلاحيات السلطة الاتحادية، كالدفاع والسياسة الخارجية والسياسة النقدية والمالية. لقد أظهرت تجربة الحكومات اللبنانية منذ اتفاق الطائف كيف تحول حق الفيتو إلى أداة لتعطيل القرار بين القوى الطائفية نفسها. لذلك، فإن الاستشهاد بتجارب الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وغيرها يتجاهل أن نجاح الفدرالية يتطلب وجود سلطة اتحادية قادرة على إدارة هذه الملفات، والتي تشكل أساس المشكلة في لبنان.
ولا يقتصر السؤال على توزيع الصلاحيات السياسية، إذ يعوّل المطالبون بالفدرالية على جذب الاستثمارات الخارجية إلى أقاليمهم، معتبرين أن السلاح خارج الدولة يحد من تدفقها. لكن الاستثمارات التي دخلت إلى لبنان ارتبطت بمصالح سياسية، حيث دعمت دولٌ طوائفَ معينة للحد من نفوذ طوائف أخرى ودول منافسة. فقد استقطب لبنان في الوقت نفسه دعماً سياسياً ومالياً من إيران والولايات المتحدة في سياق الصراع الإقليمي، ما نقل جانباً من هذا الصراع إلى الداخل اللبناني. إلا أن فصل الطوائف في أقاليم مستقلة سيعزز نفوذ كل طائفة داخل إقليمها، ما قد يؤدي إلى تراجع دوافع الاستثمار السياسي بدلاً من زيادتها، خصوصاً أن الدول الداعمة نفسها تواجه أزمات اقتصادية ناجمة عن الحروب، ما قد يخرج لبنان من أولوياتها. وإذا استمر تدفق الدعم، فإن رهان الطوائف على الخارج لطالما تحول إلى ارتهان له، أدى في كثير من الأحيان إلى نزاعات بينها. أما الاستثمارات ذات الدوافع الاقتصادية، فلا يكفي لجذبها تغيير شكل النظام، بل يتطلب الأمر بناء اقتصاد منتج، وتوفير بنية تحتية ملائمة ومؤسسات موثوقة، ووضع سياسات اقتصادية واضحة. وهذه أمور تحتاج إلى تعاون بين مختلف الأقاليم.
وكما في موضوع الاستثمارات، يعوّل المطالبون بالفدرالية على تعزيز السياحة في مناطقهم، التي تضررت بفعل ما يصفونه بـ"حروب الآخرين". لكن الاعتماد على السياحة وحدها لا يضمن اقتصاداً مستقراً. فهذا القطاع من أكثر القطاعات تأثراً بالتوترات الأمنية والسياسية، سواء داخل لبنان أو في محيطه الإقليمي. وتظهر التجارب الإقليمية أن قوة الدول في منطقة مضطربة سياسياً كمنطقتنا لا تقوم على السياحة، بل على الجمع بين اقتصاد منتج، ومؤسسات فاعلة، وقدرة دفاعية وطنية. وهذه الشروط لا يوفرها تغيير شكل النظام بحد ذاته، بل تتطلب دولة قادرة على تحديد أولويات مشتركة وتنفيذها.
إلى ذلك، يتطلب استقرار النظام الفدرالي آليات لتوزيع الموارد وتحقيق التضامن المالي بين الأقاليم الأكثر ثراءً والأقل ثراءً. وهذا تحدٍ إضافي في لبنان، حيث يتركز جزء كبير من النشاط الاقتصادي والخدمات والمؤسسات والإيرادات الضريبية والمرافق العامة في بيروت وضواحيها، وهي منطقة شديدة التنوع الطائفي. فكيف يمكن رسم حدود واضحة بين الأقاليم في بلد تتداخل فيه الطوائف والسكان والمصالح الاقتصادية؟ إذا كان الهدف من الفدرالية تثبيت الانقسام الطائفي جغرافياً، فإنها ستعزز نفوذ زعماء الطوائف في مناطقهم، وتفتح الباب أمام النزاع بينهم، وصولاً إلى تسليح الأقاليم وإشعال حرب أهلية يخشاها الجميع. الحل لا يكون بتفكيك المجتمع، بل ببناء مجتمع متماسك ودولة قادرة على إدارة المصالح المشتركة والمتعارضة بعدالة. فما يجمع اللبنانيين أكثر بكثير مما يفرقهم: الكهرباء والمياه والنقل، وكلفة التعليم والاستشفاء والسكن، والبطالة والهجرة. وهي هموم تتجاوز الانتماءات الطائفية، وتتطلب سياسات عامة عادلة وفعالة. ولا يتحقق بناء هذه الدولة بتغيير شكل النظام وحده، بل يتطلب انكفاء زعماء الطوائف وتشكيل حكومة انتقالية مستقلة ذات صلاحيات استثنائية تتولى إجراء تعداد سكاني يرصد أماكن إقامة المواطنين وحاجاتهم بعيداً عن التصنيف الطائفي، وإدارة الموارد بما يعزز الإنتاج ويؤسس لاقتصاد مستدام ويحد من الاستهلاك والهجرة. كما تعمل على ضمان الحقوق الأساسية، ولا سيما في الصحة والتعليم، للحد من الزبائنية وارتهان المواطنين للزعماء، وعلى إرساء خدمة مدنية وعسكرية فاعلة، وبناء مؤسسات عامة متماسكة وجيش وطني يخضع لسلطة الدولة. المطلوب ليس نقل النظام الطائفي من المستوى الوطني إلى الأقاليم، بل تجاوزه. وعندها، يصبح النقاش في أي نظام بديل أكثر جدية، لأنه ينطلق من حاجات المجتمع وشروط قيام الدولة، لا من تثبيت الانقسامات القائمة.
أخبار ذات صلة
سياسةطلاب "القوات اللبنانية" يحسمون انتخابات جامعة العائلة المقدسة بالبترون للسنة الثالثة توالياً
سياسةفرنسا: إجراءات لتهدئة الاحتجاجات وتوقيف 1435 شخصاً وسط دعوات لمظاهرات جديدة
سياسةغوتيريش يحث على إنهاء التصعيد في طهران: "من الضروري وقف التوتر"
سياسة
