لبنان
سياسة

نتنياهو قد يرحل.. لكن هل يرحل الاحتلال؟ مستقبل الفلسطينيين يتجاوز الانتخابات الإسرائيلية

النهار٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:١٨ م0 مشاهدة
نتنياهو قد يرحل.. لكن هل يرحل الاحتلال؟ مستقبل الفلسطينيين يتجاوز الانتخابات الإسرائيلية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "قد يرحل نتنياهو... لكن هل يرحل الاحتلال؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تشير التحليلات إلى أن رحيل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد يغير أساليب إدارة الصراع، لكنه لن ينهي الاحتلال. يبقى السؤال المحوري للفلسطينيين: أين يجب أن تتركز رهاناتهم؟

تأتي الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر في لحظة مفصلية، فهي الأولى منذ أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتجري وسط صراع عميق حول طبيعة الدولة الإسرائيلية ومستقبل مؤسساتها. لكن السؤال بالنسبة إلى الفلسطينيين يتجاوز هوية رئيس الوزراء المقبل: هل سيغير تبدل الحكومة واقع الاحتلال، أم يقتصر التغيير على أساليب إدارته؟

لفهم هذا السؤال، لا بد من العودة إلى التحولات التي شهدتها إسرائيل منذ صعود بنيامين نتنياهو عام 1996، حين بدأ اليمين الديني والقومي تعزيز نفوذه في الحياة السياسية. فالاستيطان لم يكن يوماً مشروعاً يقتصر على اليمين، إذ تبنته حكومات حزب العمل أيضاً، لكن الخلاف تمحور حول كيفية توسيعه وحدود الاعتراف بالوجود السياسي الفلسطيني. شكلت اتفاقات أوسلو تحولاً تاريخياً، لأنها أتاحت اعترافاً إسرائيلياً رسمياً بالشعب الفلسطيني وتمثيله السياسي. غير أن هذا الاعتراف لم يتحول إلى قبول بسيادة فلسطينية حقيقية. فقد احتفظت إسرائيل بالسيطرة على الحدود و القدس والأمن، بينما حصل الفلسطينيون على صلاحيات إدارية محدودة.

اليوم، يدور الصراع داخل إسرائيل بين يمين ديني قومي عزز نفوذه في الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة، ومعارضة تسعى إلى استعادة دور المؤسسات والقانون وتحسين صورة إسرائيل الدولية. وفي تقديري، لا يتعلق الخلاف بين الطرفين بالمشروع الاستيطاني نفسه، بل بالطريقة التي تضمن استمراره.

اختلاف في الوسائل لا في المشروع

إذا تمكن غادي آيزنكوت من تشكيل الحكومة المقبلة، فقد نشهد تراجعاً صغيراً في التوسع الاستيطاني العلني، ومحاولات للحد من نفوذ المستوطنين الأكثر تطرفاً وعنفاً، واستعادة قدر من الاستقرار. لكن ذلك لا يعني التخلي عن الاستيطان أو الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة. يرى آيزنكوت مصلحة إسرائيلية في استمرار السلطة الفلسطينية، باعتبارها جهازاً إدارياً يخفف عن الجيش الإسرائيلي أعباء إدارة شؤون الفلسطينيين ومراقبتهم. في المقابل، يدفع اليمين المتطرف، ممثلاً ببتسلئيل سموتريتش و إيتمار بن غفير ، نحو سياسات تستهدف، في رأيي، تهجير الفلسطينيين عبر التضييق على حياتهم في الضفة الغربية و غزة .

وفي قطاع غزة، قد يسعى آيزنكوت إلى تهدئة تسمح بدخول مزيد من المساعدات الإنسانية، وإطلاق ترتيبات جديدة للإدارة والأمن و بداية الإعمار، بما يتطابق مع متطلبات مبادرة ترامب للسلام أي بالخطة الأميركية الأخيرة. وسيأتي ذلك ضمن محاولة لاستعادة صورة إسرائيل وعلاقاتها الإقليمية. لكن زيادة المساعدات الإنسانية لا تعني حل أزمة غزة، بل تخفيف بعض تداعياتها، من دون معالجة جوهر القضية المتمثل في استمرار السيطرة الإسرائيلية وغياب السيادة الفلسطينية.

ولا أتوقع أن تعترف حكومة يقودها آيزنكوت بدولة فلسطينية، بل أرجح عودتها إلى نهج المماطلة وإدارة الصراع بدلاً من حله، مع الإبقاء على السلطة الفلسطينية وتأجيل التسوية السياسية. وقد تختلف هذه المقاربة عن سياسات نتنياهو وحلفائه الأكثر تطرفاً في أساليبها، لكنها لا تقدم مساراً فعلياً لإنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الفلسطيني.

ما بعد الرهان على الحكومات الإسرائيلية

ليس من الإنصاف اختزال اتفاق أوسلو في خطأ ارتكبته القيادة الفلسطينية. فقد كان خياراً مطروحاً في ظروف تاريخية محددة، وحقق اعترافاً سياسياً مهماً بالوجود الفلسطيني. لكن ثمن هذا الاعتراف كان باهظاً، بعدما قُيدت قدرة الفلسطينيين على حكم أنفسهم، وتحولت السلطة إلى إدارة محلية بدلاً من أن تكون نواة لدولة مستقلة. في تقديري، كان الخطأ الأكبر استمرار المراهنة، بعد الانتفاضة الثانية، على إمكان التوصل إلى تسوية مع إسرائيل، رغم تراجع فرص إقامة الدولة الفلسطينية. وقد عمق الانقسام بين فتح و حماس هذا المأزق، وأضعف قدرة الفلسطينيين على بلورة موقف سياسي موحد.

لذلك، لا ينبغي أن يبقى الرهان الفلسطيني معلقاً على وصول حكومة إسرائيلية أكثر اعتدالاً. فالأولوية اليوم هي إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وإحياء منظمة التحرير ومؤسساتها التمثيلية، واستعادة الوحدة السياسية. يبقى الضغط الأميركي والعربي ضرورياً للتأثير في السياسات الإسرائيلية، لكنه لا يستطيع تعويض غياب وحدة الصف الفلسطيني وقوة مؤسساته.

لقد أحدثت أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر والحروب التي تلتها تحولاً عميقاً في المنطقة، ولا تزال نتائجه غير محسومة. والتحدي اليوم هو كيفية تحويل الثمن الإنساني والسياسي الهائل الذي دفعه الفلسطينيون إلى دافع لإعادة بناء مشروعهم الوطني، بدلاً من أن يذهب هدراً. قد يغير رحيل نتنياهو طريقة إدارة الصراع، وربما يخفف بعض السياسات الأكثر عنفاً، لكنه لن ينهي الاحتلال أو يحقق الاستقلال الفلسطيني. ولذلك، لا يمكن أن يبقى مستقبل الفلسطينيين رهينة نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل يجب أن يستند إلى قدرتهم على استعادة وحدتهم وبناء مشروع سياسي قادر على التأثير في موازين القوى.

شارك الخبر: