لبنان على حافة المجهول: هل يختار "حزب الله" مسار لبنانية المصير قبل فوات الأوان؟


هذا الخبر بعنوان "لبنان أمام رسم المنطقة: هل يختار "الحزب" اللبننة قبل فوات الأوان؟" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقف لبنان على أعتاب تحديات تاريخية كبرى، مع تصاعد التحذيرات من مواجهة وشيكة بين إسرائيل وإيران قد تمتد تداعياتها إلى المنطقة بأسرها. ورغم وصول تحذيرات إلى بيروت بشأن خطورة أي خطأ في حسابات الحرب المحتملة، لا يزال "حزب الله" يتصرف وكأن لبنان بمنأى عن ارتداداتها دون تسوية داخلية واضحة، بينما تضيق خيارات البلاد يوماً بعد يوم.
لا تقتصر المشكلة على احتمال انخراط "الحزب" في حرب جديدة، بل تتعداها إلى رفضه المستمر فتح حوار جدي مع الدولة اللبنانية حول مستقبل سلاحه ودوره العسكري، في وقت أحوج ما تكون فيه البلاد إلى قرار وطني يمثل مصالح اللبنانيين لا حسابات المحاور الإقليمية. لا تزال الأبواب مفتوحة أمام حوار غير مشروط لبحث ضمانات الأمن والسيادة ومستقبل الجنوب، بعيداً عن منطق الإملاءات أو الرهانات على متغيرات خارجية قد لا تأتي في الوقت المناسب.
يبرز هنا السؤال المحوري: هل يستطيع "الحزب" أن يتحدث بلغة لبنانية، انطلاقاً من مصلحة لبنان، قبل أن تفرض الوقائع الإقليمية خيارات أكثر قسوة؟
في المقابل، ترتكز مقاربة الدولة اللبنانية على حماية ما تبقى من الجنوب، ومنع توسيع رقعة الخسائر، ومواصلة المسار التفاوضي لخلق الظروف السياسية والدبلوماسية التي تتيح فرض الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة. هذه الاستراتيجية، رغم صعوباتها، تراهن على تثبيت ما يمكن تثبيته، واستعادة الأرض تدريجياً، والحؤول دون تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. لكن نجاحها مرهون بقدرة المؤسسات اللبنانية على توحيد موقفها واستعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات متبادلة تمنح التفاوض فرصة حقيقية.
تتفاقم خطورة المشهد مع تداول رسائل إسرائيلية، نُقلت عبر قنوات أممية وأميركية وغيرها، تتضمن تهديدات بتوسيع العمليات العسكرية وصولاً إلى الضاحية الجنوبية، إذا اعتبرت تل أبيب أن الدولة اللبنانية تماطل في تنفيذ التزاماتها المتعلقة بحصر السلاح. وفي ظل اندفاعة إسرائيلية نحو التصعيد وتهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدخول الضاحية الجنوبية ونزع السلاح، تصبح هذه التهديدات عاملاً إضافياً في رفع منسوب القلق المصيري، خاصة أن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة في أهداف عسكرية، بل ستترك آثاراً عميقة على البنية التحتية والاقتصاد والمجتمع اللبناني.
مع ذلك، ينبغي التمييز بين الرسائل المنقولة والتقديرات السياسية من جهة، والقرارات العسكرية الفعلية من جهة أخرى، إذ لا يمكن الجزم بمسار الأحداث قبل اتضاح الوقائع.
إقليمياً، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق كبير، إما حرب واسعة تفرز رابحين وخاسرين وتعيد توزيع موازين القوى، أو صفقة شاملة تفرض ترتيبات جديدة وتعيد رسم خرائط النفوذ. وفي الحالتين، لن تكون النتائج مجرد تعديل عادي في العلاقات بين الدول، بل قد تؤسس لمرحلة طويلة من التحولات الاستراتيجية. هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: أين سيكون لبنان في هذه المعادلة؟ هل يدخل التسوية بقرار مستقل وموقع تفاوضي واضح، أم يجد نفسه مضطرًا للتعامل مع نتائج حرب لم يكن يملك قرارها؟
في هذا السياق، تتركز النصائح العربية والدولية على تحصين الجبهة الداخلية، وتغليب الحوار، واحتواء التوتر خلال الأسابيع المقبلة وصولاً إلى نهاية العام. فالمسألة لا ترتبط حصرًا بالانتخابات النصفية الأميركية، وقد لا تشهد المرحلة السابقة لها تطورات حاسمة، لكن نهاية العام قد تحمل مؤشرات أوضح إلى اتجاه المنطقة نحو تسوية واسعة أو تصعيد كبير. ومع أن تحديد موعد نهائي للحسم يبقى تقديرًا سياسيًا، فإن الاستعداد للسيناريوهين بات ضرورة لا تحتمل التأجيل.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة عملية تقوم على فك الارتباط العسكري لـ"حزب الله" بإيران، والتوصل إلى تفاهم مع الدولة اللبنانية بشأن جدول زمني واضح لتسليم السلاح، يبدأ بالسلاح الهجومي بالتوازي مع بدء الانسحاب الإسرائيلي، وينتهي بمعالجة ملف السلاح الدفاعي بالتزامن مع إعادة الإعمار وترسيخ الضمانات الأمنية. وتحتاج هذه الصيغة إلى تفاوض جدي، وضمانات قابلة للتنفيذ، والتزامات متبادلة تحول دون أن يتحول الانسحاب أو نزع السلاح إلى خطوة أحادية تترك لبنان مكشوفاً أمام المخاطر.
الفرصة لا تزال قائمة لطرح هذه الورقة وتسويقها عبر حوار لبناني مسؤول، لكن استمرار الجمود قد يبدّدها أو يرفع كلفتها. فلبنان ليس مضطرًا للاختيار بين الاستسلام للتهديدات أو الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وأمامه أيضاً خيار بناء حل يحمي الأرض ويعيد القرار إلى مؤسساته. أما إذا غلب العناد على التسوية، فقد يجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع جديد يُرسم خارج حدودهم، فيما يدفعون هم الثمن الأكبر.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة