لبنان
ثقافة

كمال الصليبي: مؤرخ ثلاثي الأبعاد واجه عواصف فكرية وجدلية

المدن٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٥٢ ص0 مشاهدة
كمال الصليبي: مؤرخ ثلاثي الأبعاد واجه عواصف فكرية وجدلية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا شُنّت الحملات على المؤرخ كمال الصليبي وكتبه؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

نادراً ما تجتمع لمؤرخ خلال مسيرة فكرية واحدة، ثلاث موجات كبيرة من الغضب الإعلامي، كل منها كافية وحدها لتصنع إشكالاً أو خصومة تلاحق الكاتب حتى وفاته. المؤرخ كمال الصليبي (أيار 1929 ــ أيلول 2011)، أستاذ التاريخ وعلم الآثار في الجامعة الأميركية في بيروت، فعلها ثلاث مرات. مرة حين أعاد قراءة تاريخ لبنان الحديث، ومرة حين نقل خريطة التوراة من فلسطين إلى جنوب الجزيرة العربية، ومرة ثالثة حين أخضع الأناجيل لقراءة نقدية طاولت يسوع الناصري نفسه. لكن المؤسف أن الجدل لم يكن أكاديمياً موضوعياً، بل حملة صحافية وإعلامية ودينية طاولت الصليبي شخصياً قبل أن تنال من أطروحاته.

فينقيا الحسّاسة أولاً: كتاب "تاريخ لبنان الحديث" (1967)

حين صدر هذا الكتاب لم يواجه بحملة تشهير صحافية، بل استُقبل بحفاوة لافتة من مؤرخين لبنانيين وعرب وأجانب أشادوا بموضوعية الصليبي وجرأته في مقاربة الوقائع التي ما زال ذكرها يثير شعور مواطنيه. لكن هذا الاستقبال الهادئ في الظاهر كان يخفي ما هو أشد عمقاً وقلقاً. فقد فكك الكتاب، بأدوات المؤرخ العلمي، لا بأدوات الأيديولوجيا، ليُبيّن الصليبي أن الرواية التأسيسية التي بنى عليها اللبنانيون هويتهم، أي فكرة الاستمرارية الفينيقية المتصلة، وفكرة الكيان اللبناني المتجذر تاريخياً بمعزل عن محيطه العربي والسوري، تبدو ضعيفة أمام تبدل حدود لبنان وهويته السياسية مرات عديدة بفعل ضغوط خارجية عثمانية وأوروبية، وذلك من ولاية طرابلس وصيدا إلى متصرفية جبل لبنان إلى لبنان الكبير العام 1920.

في العام 1979، أصدر الصليبي كتاب "منطلق تاريخ لبنان" وقد أخبرني أنه الكتاب الوحيد الذي كتبه من ذاكرته في عمّان وأعاد وضع هوامشه في بيروت قبل الطبع. في هذا الكتاب نسف الصليبي الرواية التقليدية عن تاريخ الكيان اللبناني والمارونية السياسية. وقال إن الطوائف أصلها قبائل تحالفت في ما بينها لتحمي نفسها. شنّت عليه صحيفة لبنانية مرموقة حملة، واعتبرت أنه يزوّر التاريخ اللبناني ويحاول النيل من الشرعية المارونية. استمرت هذه الجرأة الهادئة، قبل أن تندلع من جديد حين طور الصليبي أطروحاته في كتابه "بيت بمنازل كثيرة" (1988) وذهب فيه أبعد في تفكيك الأساطير التأسيسية الطائفية. وواجه مقاومة أشد من أوساط قومية ودينية متعصبة رأت في تفكيك الأسطورة الفينيقية مساساً بشرعية الكيان اللبناني كما تصورته الأساطير المارونية المؤسِّسة الكيان اللبناني.

عسير.. لا فلسطين: كتاب "التوراة جاءت من جزيرة العرب" (1985)

في العام 1985 كان موعده مع كتاب "التوراة جاءت من جزيرة العرب" وتحولت فيه الأطروحة التاريخية إلى قضية رأي عام دولية. وهنا بدأت الحملة بكل قوتها. كانت أطروحة الصليبي أن الأحداث التي رواها العهد القديم لم تَجرِ في فلسطين بل في منطقة جبلية جنوب غربي الجزيرة العربية، وفي عسير تحديداً. واستند الصليبي إلى تشابهات لغوية بين أسماء الأماكن التوراتية والأسماء الجغرافية في منطقة عسير. وأن الأردن المذكور في التوراة هو جبال السروات، وليس نهر الأردن.

لافت أن أطروحة الصليبي أثارت ثلاث جهات متزامنة في الرفض، ومتناقضة في اتجاهاتها ودوافعها. فعلى الجبهة الغربية الصهيونية، وحين وافقت مجلة ديرشبيغل الألمانية على نشر الكتاب، انطلقت حملة إعلامية واسعة تتهم الناشرَين الإنكليزي والألماني بمعاداة السامية لموافقتهما على نشر الكتاب. وقال الصليبي لاحقاً أنه لم يتلق من الصحافة الغربية الرصينة سوى مراجعة نقدية واحدة من صحيفة "ذا تايمز" اللندنية. أما الباقي فكان مجرد ضغوط على دور النشر، عبر قنوات غير صحافية، لوقف طباعة الكتاب، وذلك قبل أن توافق عليه ديرشبيغل. أما على الجبهة الإسلامية، فقد هاجمه علماء ومؤرخون عرب، بينهم عبد العزيز المقالح وحمد الجاسر. فاعتبروا أن الكتابَ مبنيٌ على تلاعب لغوي غير علمي. وعلى طغيان "ربّما ولعل" على الاستنتاجات. في حين عدّ آخرون أن الأطروحة، ولو بدت في ظاهرها معادية لإسرائيل جغرافياً، فقد تُستغل لخدمة التوسع الإسرائيلي نحو الجزيرة العربية بدلاً من فلسطين. وهذا الاتهام رفضه الصليبي مؤكداً أن من يقول ذلك يمنح اليهود حقاً في فلسطين ضمنياً. وماذا عن جبهة الاختصاصيين الأكاديميين؟ هاجمه تيودور بارفيت، الذي اعتبر أن أفكار الصليبي خطيرة لأنها تشكك في شرعية دولة إسرائيل، وردّ الصليبي انه لم يقصد الربط السياسي. إلا أن الصحافة الإسرائيلية والغربية استخدمت نظريته كسلاح ضده. وأوصى مستشرق بلجيكي، رغم رفضه القاطع لصحة الأطروحة، بنشر الكتاب، لأنه يستحق النقاش بالرغم من أنه غير صحيح كلياً في رأيه. لكن ما يلفت في هذه الحملة أن الصليبي هوجم من المقلب الصهيوني بتهمة المعاداة للسامية، ومن المقلب العربي بتهمة خدمة الصهيونية، فبدا محاصراً، لكنه أوضح أنه يحكي في هذا الكتاب جغرافية لا سياسة. وأكد أن نص التوراة يطابق جغرافية عسير. وشدّد أنه لم يقل أن على إسرائيل أن تذهب إلى عسير. وفي رأيه أن العرب "فهموها غلط" وقالوا إنه يدلّ إسرائيل على عسير، كما أن الإسرائيليين رفضو أطروحاته أيضاً لأنها تنسف "حقهم التاريخي" في فلسطين.

خوري أهدر دمه: كتاب "البحث عن يسوع"

أما موعده الثالث فكان مع كتاب "البحث عن يسوع" الذي حمل الجدل إلى أرض أكثر حساسية. إذ طرحت قراءته للأناجيل فرضيات تمس شخص يسوع المسيح في سيرته ونسبه وعلاقته بمعاصريه مثل بولس الرسول. وتوالت الردود، فأرسل بطريرك القدس عتباً شديداً لجريدة الدستور الأردنية لأنها مدحت الكتاب. أما الإكليروس في الأردن ولبنان وفلسطين، فقد هاجمه علناً. كما خصص "ملحق النهار" ملفاً كاملاً لمهاجمة الصليبي. ومن أبرز الردود على أطروحته ما كتبه الخوري بولس الفغالي، عالم الكتاب المقدس ومحقق نسخه، مفنداً استنتاجات الصليبي حول شخصية يوحنا الإنجيلي وعلاقة بولس بشارل الطرطوسي، معتبراً أن الأطروحة تسيء فهم النص الإنجيلي نفسه. كما ان أحد الخوارنة أهدر دمه! وكذلك قاطعت الكنائس الكاثوليكية كتابه بالإنكليزية والعربية في بيروت. فهل وصلته التهديدات؟ ردّ الصليبي في إحدى مقابلاته أن التهديدات مرّت عبر وسائل الإعلام والتلفزيون الكاثوليكي. وأن كتابه طُبع مرتين بالإنكليزية في لندن، ولم ينتقده أحد سوى مقالة في جريدة "التايمز" الإيرلندية. وفي رأيه أن القراء المسلمين اهتموا بالكتاب أكثر من المسيحيين. وقد سُئِلَ ذات مرة: هل ما زلت مقتنعاً بأن يسوع ليس واحداً بل ثلاثة؟ فقال: "مقتنع بذلك أكثر من اي وقت مضى". وأعطى أدلة جديدة من كتاب "التيجان في ملوك حمير" لوهب من منبه. ومن الطبري، أن قبر عيسى بن مريم كان موجوداً حتى القرنين الأولين للإسلام على رأس جبل جمناء جنوبي المدينة المنورة وكتابته كانت بالفارسية.

من وراء الحملة؟

في رأي الصليبي: رجال الدين الكاثوليك. وبعد هذه الحملات المتصاعدة اتصل كمال الصليبي بصديقه الرئيس سليم الحص، وسأله إن كان هناك خطر جدي على حياته، فنصحه الحص بالخروج مؤقتاً من بيروت. هكذا، غادر الصليبي بسيارة الحص إلى المطار، ومنه إلى عمّان، وأسس المعهد الملكي للدراسات الدينية، بطلب من الأمير الحسن بن طلال العام 1994.

المقدس هو السؤال

ظل الصليبي يردّد لطلابه أن المقدس هو السؤال، والجواب نجده في الأرض. أما مهاجموه، فقال إنهم يدافعون عن وقائع مزورة فُرض علينا حفظها غيباً وبلا نقاش بوصفها من الثوابت. ولعلنا نسمع في كتابه "طائر على سنديانة"، رداً كاملاً إذ يقول: "كتبت الأشياء التي شعرت بأنها مهمة. راقبت نفسي كثيراً حتى لا أجرح أحداً بكلمة. وأظن أني لم أفعل. شعرت بأن عليّ مشاركة القارئ خبرتي في الحياة، فالقارئ أينما كان، ظل مشجعاً على العموم". لعل الخيط الذي ربط تلك الحملات كلها، ليس مضمونها، بل آلياتها النفسية والسياسية في مواجهة مؤرخ حاول مساءلة كل نص بجرأة وتجرد واختلاف.

شارك الخبر: