اليمين الإسرائيلي يحسم الانتخابات: نتنياهو أو آيزنكوت، والسياسة الأمنية ثابتة


هذا الخبر بعنوان "نتنياهو أو آيزنكوت... اليمين يفوز والنهج لا يتغيّر" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت الانتخابات الإسرائيلية مشاركة لافتة، لكن المنافسة بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت كشفت عن توافق أمني عميق بينهما. يتساءل المقال عن إرث إسحاق رابين وما قد يتغير في المنطقة.
عندما حاول غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، إقناع الناخبين بقدرته على خلافة نتنياهو، استند إلى ما يُعرف بـ "عقيدة الضاحية". هذه العقيدة، المستمدة من الضاحية الجنوبية لبيروت، تقوم على استخدام قوة تدميرية هائلة ضد مناطق خصوم إسرائيل، بما في ذلك البنى التحتية المدنية. وقد ربط آيزنكوت هذه العقيدة بسجله العسكري خلال حرب تموز/يوليو 2006، مقدماً إياها كدليل على قدرته على قيادة البلاد. هذا الاختيار يعكس طبيعة المنافسة في إسرائيل، حيث يستند جنرال سابق، يُصنف في الوسط السياسي، إلى واحدة من أشد العقائد العسكرية قسوة ليطرح نفسه كبديل لنتنياهو.
عكست المشاركة الانتخابية المرتفعة حدة الصراع على السلطة ومستقبل نتنياهو. ومع ذلك، فإن الخلاف بين الرجلين يضيق عندما يتحول النقاش من هوية رئيس الحكومة إلى السياسة الأمنية الإسرائيلية تجاه جيرانها وكيفية فرض إرادتها عليهم.
عقيدة مشتركة:
يختلف آيزنكوت مع نتنياهو في طريقة إدارة الدولة، وعلاقته بالمؤسسات، وتحالفه مع اليمين الديني المتطرف. كما ينتقد آيزنكوت إخفاقات نتنياهو العسكرية ويحمله مسؤولية إطالة الحروب دون تحقيق أهداف واضحة. وقد شارك آيزنكوت بنفسه في مجلس الحرب بعد هجوم 7 أكتوبر، قبل أن ينسحب اعتراضاً على إدارة نتنياهو للمعركة. لكن هذه الخلافات لا تمس الأسس التي تقوم عليها السياسة الأمنية الإسرائيلية.
في لبنان: يتفق الرجلان على ضرورة إبعاد حزب الله عن الحدود والاحتفاظ بهامش أمني يسمح للجيش الإسرائيلي بالتدخل عند الضرورة. بل إن آيزنكوت انتقد رضوخ نتنياهو للضغوط الأمريكية لوقف بعض العمليات في بيروت، ودافع عن حق إسرائيل في ضرب حزب الله أينما وُجد.
في سوريا: يتفقان على ضرورة الاحتفاظ بضمانات أمنية ومناطق عازلة، في ظل الشكوك تجاه السلطة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. قد يكون آيزنكوت أكثر استعداداً للتفاوض على انسحابات جزئية، لكن مبدأ فرض الترتيبات الأمنية بالقوة يبقى حاضراً في حساباته.
في إيران: يرى آيزنكوت أن تغيير النظام الإيراني هدف غير واقعي، ويفضل الجمع بين الضغط والعمليات العسكرية المحددة والتفاهمات الممكنة، بينما يميل نتنياهو إلى خيارات أكثر تصعيداً. ومع ذلك، يتفق الاثنان على منع طهران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، وعلى استخدام القوة لتحقيق هذا الهدف.
في غزة: ينتقد آيزنكوت فشل نتنياهو في إنهاء حكم حماس، لكنه يتبنى هدف تفكيك قدراتها العسكرية. وهو يعارض، مثل نتنياهو، إقامة دولة فلسطينية مستقلة، مع التمسك باستمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
في الضفة الغربية: يؤيد آيزنكوت الاستيطان ضمن القوانين الإسرائيلية، ويختلف عن شركاء نتنياهو المتطرفين في رفضه للبؤر الاستيطانية غير المرخصة وعنف المستوطنين.
هذه الاختلافات، رغم أنها قد تؤثر في حجم الحرب أو توقيتها وفرص التوصل إلى اتفاق، إلا أنها تكشف حدود التغيير الممكن عندما يلتقي المتنافسان على الأهداف الأمنية الأساسية ويختلفان على الوسائل والتكلفة.
أين ذهب اليسار؟
لفهم كيف أصبحت المنافسة على قيادة إسرائيل تدور بين نتنياهو وآيزنكوت، يجب العودة إلى إسحق رابين. في عام 1992، قاد رابين حزب العمل إلى الفوز بـ 44 مقعداً، وأضاف حزب ميرتس 12 مقعداً. كان اليسار حينها قوة قادرة على قيادة الحكومة، وكان مشروع التسوية مع الفلسطينيين محورياً في المنافسة السياسية. بعد اغتيال رابين في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1995، لم يختفِ اليسار فوراً، فقد وصل إيهود باراك إلى رئاسة الحكومة عام 1999. لكن تعثر المفاوضات، واندلاع الانتفاضة الثانية، وتصاعد الهاجس الأمني، وتوسع الاستيطان، وصعود القومية الدينية، دفعت المجتمع الإسرائيلي تدريجياً نحو اليمين. وبعد هجوم 7 أكتوبر، ازدادت صعوبة الدفاع عن التسوية في الخطاب السياسي السائد.
في انتخابات عام 2022، حصل حزب العمل على أربعة مقاعد فقط، وفشل ميرتس في دخول الكنيست. ورغم بقاء قوى يسارية وأصوات معارضة للحروب والاحتلال، إلا أن قدرتها على فرض اتجاه مختلف للسياسة الإسرائيلية انحسرت بشدة. وهكذا، لم يعد على اليمين أن يهزم مشروعاً يسارياً قوياً في كل انتخابات، بل أصبح جزء كبير من تصوراته الأمنية مقبولاً لدى القوى التي تنافسه على الحكم. يمكن لآيزنكوت أن يكون خصماً شرساً لنتنياهو في السياسة الداخلية، وأن يبدو قريباً منه جداً عند الحديث عن لبنان وسوريا وإيران والفلسطينيين.
قد يتغير رئيس الوزراء، وقد تختلف علاقات إسرائيل بالعالم وطريقتها في إدارة الحروب. وهذه فروق حقيقية لا يجوز تجاهلها. لكن التحول الأعمق وقع قبل هذه الانتخابات بسنوات طويلة، حين خرج مشروع التسوية من مركز الصراع على السلطة، وصارت الصلابة العسكرية شرطاً شبه لازم لمن يطمح إلى الحكم. جعل آيزنكوت من "عقيدة الضاحية" إحدى شهادات أهليته لرئاسة الحكومة. وبالنسبة لمن عرفوا آثار تلك العقيدة خارج حدود إسرائيل، يصعب العثور على دليل أوضح على أن اليمين ربح معركته الكبرى، أياً يكن الفائز في صناديق الاقتراع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة