لبنان
سياسة

تراجع إسرائيل عالمياً: لماذا يتنازل لبنان في المفاوضات؟

النهار٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٥٤ م0 مشاهدة
تراجع إسرائيل عالمياً: لماذا يتنازل لبنان في المفاوضات؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "إسرائيل تتراجع عالمياً… فلماذا يتنازل لبنان؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بينما يدخل لبنان المفاوضات مثقلاً بالانقسام الداخلي، وكلفة الحرب والدمار، واختلال كبير في ميزان القوّة، تدخل إسرائيل المفاوضات وهي لا تزال تملك التفوق العسكري والدعم الأميركي. لكنها في المقابل لم تعد تملك الرصيد السياسي والأخلاقي نفسه الذي لطالما تمتعت به. على مدى عقود، استفادت إسرائيل في الغرب من صورة الدولة الديمقراطية المحاطة بالأخطار، ومن سردية تمنحها شرعية سياسية وأخلاقية واسعة. لكن الحرب على غزة أحدثت اهتزازاً عميقاً في هذه الصورة. ففي استطلاع للمركز الأميركي Pew Research Center، أُجري بين شباط/فبراير وأيار/مايو 2026 وشمل 36 دولة، بلغت نسبة أصحاب النظرة السلبية إلى إسرائيل 67% في المتوسط العام، مقابل 25% نظرة إيجابية. وكانت النتائج أكثر قسوة في أوروبا، فيما بلغت النظرة السلبية في الولايات المتحدة 60% مقابل 37% إيجابية. الأهم أن التحول لا يأتي من اليسار وحده. ففي فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، تظهر نسب مرتفعة من المواقف السلبية حتى بين الناخبين اليمينيين. أي أن انتقاد إسرائيل لم يعد ظاهرة محصورة بالشارع العربي أو باليسار الغربي، بل أصبح اتجاهاً أوسع في الرأي العام الدولي.

في الولايات المتحدة، تظهر مؤشرات التحول بوضوح أكبر. فقد أظهر استطلاع Gallup لعام 2026 أن 41% من الأميركيين يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36% مع الإسرائيليين، مقارنة بـ33% مقابل 46% في العام السابق. وبين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، ارتفعت الفجوة إلى 53% للفلسطينيين مقابل 23% للإسرائيليين. هذه الأرقام لا تعني انهيار التحالف الأميركي-الإسرائيلي، لكنها تشير إلى أن البيئة الشعبية التي كانت تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً من الدعم لم تعد كما كانت. وفي نيويورك، الذي يضم أكبر تجمع يهودي في العالم خارج إسرائيل، يكتسب صعود زهران ممداني أهمية رمزية خاصة. ففوزه لا يمثل مجرد نجاح انتخابي محلي، بل يعكس صعود تيار داخل الحزب الديمقراطي يجمع بين اليسار الاقتصادي والسياسات الاجتماعية التقدمية وانتقاد الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل. واللافت أن ممداني حصل على نحو ثلث أصوات الناخبين اليهود في نيويورك، رغم مواقفه المنتقدة بشدة لإسرائيل وطرحه لحقوق متساوية على أساس المواطنة من النهر إلى البحر، ما يعكس اتساع الانقسام داخل المجتمع اليهودي الأميركي، خصوصاً بين الأجيال الأصغر والتيارات التقدمية. وجاءت انتصارات مرشحين أيّدهم ممداني، توحي بأن الظاهرة قد تتجاوز شخصه إلى إعادة تشكيل جزء من الحزب الديمقراطي.

في المقابل، برزت مؤشرات مشابهة داخل اليمين الجمهوري. فقد أظهرت مواقف شخصيات بارزة، من بينها نائب الرئيس جي دي فانس، خلال الخلافات حول السياسة الأميركية تجاه إيران، أن انتقاد إسرائيل لم يعد بالضرورة مدخلاً إلى العزلة السياسية كما كان في السابق. وباتت العلاقة مع إسرائيل موضوعاً قابلاً للنقاش داخل الحزبين، وإن بدرجات متفاوتة. أما في أوروبا، فلم يبقَ هذا التحول في حدود الاستطلاعات، بل امتد إلى الشارع والسياسة. فقد تحولت التظاهرات المؤيدة لفلسطين في لندن وباريس وبرلين ومدريد وروما وأمستردام وبروكسل وغيرها إلى ضغط سياسي مستمر، تزامن مع خطوات دبلوماسية مهمة. وفي عامَي 2024 و2025، اتسعت دائرة الاعتراف الغربي بدولة فلسطين، في تحول يعكس بيئة دولية مختلفة عن تلك التي اعتادت عليها إسرائيل.

صحيح أن إسرائيل لا تزال تملك قوة عسكرية هائلة، ودعماً أميركياً كبيراً، وقدرة مؤثرة على العمل داخل المؤسسات السياسية والإعلامية. لكن امتلاك القوة لا يعني امتلاك الشرعية في نظرهم. ولعل الدليل الأوضح على ذلك هو لجوء إسرائيل إلى إنفاق مبالغ ضخمة لإعادة تحسين صورتها في الولايات المتحدة، عبر الإعلام والمؤثرين والمحتوى الرقمي وحملات تستهدف شرائح محددة من الجمهور. وقد خصصت لهذا الغرض مؤخراً أكثر من 700 مليون دولار. وكشفت "وول ستريت جورنال" عن إنفاق عشرات الملايين من الدولارات ضمن هذه الجهود، بينها عقد تتجاوز قيمته 45 مليون دولار مع براد بارسكيل، وحملة بأكثر من 3 ملايين دولار تستهدف نحو 4 ملايين شخص، فضلاً عن 6.5 ملايين دولار لرسائل مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ومحتوى يهدف إلى التأثير في نتائج أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل "تشات جي بي تي" و"كلود".

وهنا تكمن المفارقة في التفاوض اللبناني–الإسرائيلي: إذا كانت إسرائيل تنفق ملايين الدولارات لاستعادة صورتها المتراجعة، فلماذا لا يستغلّ لبنان هذا التحول في الرأي العام والشرعية الدولية كورقة تفاوضية؟ فالمواجهة الطائفية غير المحسوبة التي يتمسك بها فريق المقاومة، والانهزام الذي يدفع فريق السيادة إلى تنازلات مجانية لإسرائيل، يقودان في النهاية إلى النتيجة نفسها: إضعاف لبنان. لذلك، على الفريقين أن يدركا أن مواجهة إسرائيل لا تقاس بالقوة العسكرية وحدها، بل بالقدرة على استثمار التحولات السياسية والدولية، والأهم ببناء دولة قوية تتجاوز الانقسامات الطائفية وتوحّد اللبنانيين حول مصالح وطنية مشتركة، بما يعيد إلى لبنان قدرته على التفاوض من موقع الندية لا من موقع الضعف.

شارك الخبر: