تنويه
هذا الخبر بعنوان "يسمّونه "لونا"" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتألق عربةٌ فضيةٌ في السماء، يغمرها الضوء والسكينة، إنها جرمٌ سماويٌّ عرفه الرومان باسم "لونا"، المرأة الإلهية الساحرة التي تقود العربة. أما نحن، فنسميه القمر. أشاهده الآن يسكب فضته على أمواج النهر، لتعكس كل واحدٍ منا مزيجاً سحرياً من البريق والدهشة. نسميه القمر، ونرى فيه بياضاً ساطعاً وأثراً في العين. لطالما أحببته هلالاً فوق الجبل، قوساً نورانياً في السماء، تارةً عاجياً، وتارةً ذهبياً أو نحاسياً، حتى أثقلت ذاكرة هاتفي بآلاف صوره. ومع ذلك، يظل هو هو، القمر بأطواره وأسمائه، يبدو منه شيء وتختفي أشياء، كم يشبهنا في تقلب أحوالنا!
تسميني صديقتي الروسية الجديدة "إينِس"، من الطمأنينة إلى النقاء. من لغةٍ ولدت في الصحراء إلى لغةٍ تحيا في صقيع الشمال، يختفي مد الألف. أستجيب لها فأنقلب امرأة أخرى، يختفي صوت المد الطويل، ويأخذ معه كل ما أعرفه عني. تسألني عن مدينتي وتنطقها "سوڤيدا"، تردد الاسم وتحفظه، اسمٌ لمكانٍ في الخريطة لا يعني لها شيئاً، ويعني لي كل شيء. هناك ولدتُ وسُمِّيتُ "إيناس" تيمناً باسم تلميذة صغيرة علّمتها أمي في بداية مشوارها. لا يحمل اسمي أمنياتٍ أو آمالاً عالية، بل مجرد شيء من الألفة والطمأنينة التي قد أمنحها لمن حولي. اسمٌ كباقي الأسماء، يحمل بين ثناياه حياتي، يرجعني للواقع كمرساةٍ تشدني كلما هممت بالابتعاد.
تتبدل أسماء أولادي؛ لا خوفاً من الحظ السيء، ولا إبعاداً للأرواح الشريرة كما فعل السلاف القدماء، بل تصغر وتكبر تحبباً، تتبدل وتنقلب وفقاً للتصرفات والمواقف. أمنحهم أسماء من الطبيعة، أو أوصافاً سحرية، وخارج جدران البيت تنتهي لعبة الأسماء. نتغير ولا تتغير أسماؤنا المكتوبة! نحن الذين تُصقَلُ جواهرنا حيناً، ونغرق في الوحول حيناً... نسمو ونهبط، نضيء ونعتم... كيف لاسمٍ واحدٍ أن يحمل تلك التقلبات كلها؟
تتلاطم الأمواج، تأخذ لون الرمال وانحناءاتها، ثم تنسحب بهدوء. تمتزج خُطانا بخطى الآخرين فوق الرمال؛ ينبح كلبٌ محاولاً الإفلات من صاحبته، يتعانق حبيبان، تعبر سفينة صاخبة، ووراء الأشجار الكثيفة يختفي القمر. نرتجف من بردٍ لم نعتده؛ نحن الذين اعتدنا دفء جبالٍ مشرقية يعلوها القمر ذاته، قمرٌ يسكب الآن فضته فوق الكروم والبازلت والحكايا، هناك حيث يناديني أبي: "أنّوس!". يظل اسم النهر ثابتاً وهو الذي يتغير في كل لحظة. كيف سأستمع لكل هذا الماء بلا اسم، بلا أن أسميه نهراً؟ كيف سأحمل مجرة كاملة داخل عقلي، أفكر في كواكبها ونجومها وأتخيلها من دون أن تُمنح إسماً؟ كيف سأصف كل هذه المشاعر بلا إسم؟ كيف سأحمل السويداء داخل قلبي بلا إسم؟ السويداء سؤاداً، وللمدينة هنا اسم يحمل المعنى ذاته؛ "المدينة السوداء". تتقاطع الجغرافيا مع الخيال، فأعيش في مكانين يحملان الجوهر ذاته في الوقت عينه. ترتجف الأضواء البعيدة الملونة، ثم تتلاشى في ظلمة مياه تصطدم برصيف يمنحها استقامته، ويقود خطواتنا لشوارع صارمة طويلة تعبر جسد مدينة يتداخل فيها الماضي والحاضر. وداخل إطارات برونزية مستطيلة صغيرة، تُكتب أسماء عمالقة ربطوا العالم بأسره بخيوط شفافة مرنة نورانية. أسماء تغيرها نبرة متعثرة، فتُغيِّر جوهرها، هنا الأسماء ليست رموزاً ولا محض نداءات، أسماء لطالما نُحِتَت في الروايات والقصص لتحكي طبيعة أصحابها وتقلباتهم وأطوارهم. لم يعد القمر مرئياً لنا الآن، تركناه هناك. وهناك، ربما عائلة أخرى تجلس على مقعدنا الخشبي ذاته، تتأمل نهراً آخر، وقمراً معلقاً في السماء... آخر.
أخبار ذات صلة
منوعاتطائرة الرئاسة الأمريكية تثير الهلع في واشنطن خلال احتفالات الهالوين
منوعاتعودة ميغان ماركل إلى التمثيل؟ محادثات للانضمام إلى مسلسل "The Gentlemen" على نتفليكس
منوعاتبالصور: فريق متخصص ينقذ ضبعاً برياً عالقاً في مصيدة بعكار
منوعات
