جنوب لبنان: مفتاح بيت ضائع بين ركام الحرب وذكريات العودة


هذا الخبر بعنوان "حكاية الجنوب: مفتاح لبيت اختفى في ركام العودة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقف الجنوب اللبناني شاهداً على ماضٍ وحاضرٍ متداخلين، حيث يسعى أهله جاهدين لاستعادة أسماء الأماكن ومعاني البيوت، محاولين بث الحياة في ركام الدمار. تتجول امرأة قرب منزل دُمّر بفعل القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان، وتحديداً في قرى الجنوب، حيث لم تكن العودة نهاية للحرب بالنسبة للكثيرين. كبيرٌ يبحث بين الحجارة عن عمرٍ بناه، وشابٌ يفتش عن مستقبله، وطفلٌ يسأل عن غرفته وألعابه. يقول موسى، وهو يقف أمام ركام منزله: "رجعت لبيتي... وما عرفت وين غرفتي". المكان الذي حفظ تفاصيله حجراً حجراً أصبح غريباً عنه، فلم يعد يعرف من أين يدخل بعد أن كان يعرف طريقه إلى كل زاوية فيه دون تفكير.
تسيطر إسرائيل على 17 كيلومتراً من الليطاني ونحو 12 كيلومتراً من مجرى الحاصباني– الوزاني، مما يؤثر على مقومات الحياة في الجنوب. ينحني موسى بين الركام بحثاً عن أشياء صغيرة بقيت من حياته، كفنجان مكسور أو صورة قديمة. "أكثر شي وجّعني مش إنو البيت وقع. وجّعني إني صرت فتّش بين الحجار على أشياء صغيرة بتذكرني بحياتي". العودة هنا ليست مجرد رجوع إلى القرية، بل مواجهة مباشرة مع ما تبقى من عمرٍ بنوه وبيوتٍ لم تعد تشبه ما خرجوا منه. في قرى قضاء النبطية ومرجعيون، لا تقتصر آثار الحرب على الأبنية المهدّمة، بل تسكن في وجوه الناس وفي الصمت الذي يرافق عودتهم.
عاد الشباب، لكنهم لم يعودوا إلى الحياة التي تركوها. يقول علي، الثلاثيني من بلاط الجنوبية، مشيراً إلى مكان منزله: "هون كان بيتي. كل شي بنيته راح. شغلي كمان ما عاد مثل قبل. لازم فكّر من وين بلّش. أرجع إبني؟ أترك؟ روح عالمدينة؟ ما عندي جواب". ويضيف: "نحنا جيل تعلّم كيف يبدأ من جديد أكثر من مرّة. بس الواحد بيتعب. بدو يحسّ إنو في محل ثابت بحياته". حنان، النازحة منذ ثلاث سنوات من بلدتها الخيام، تقول: "أنا ما كنت خايفة من الخراب قد ما كنت خايفة من المستقبل. البيت بيتصلّح، بس شو بعمل بحياتي؟ وين بدّي اشتغل؟ وين بدّي عيش؟ وهل إذا بنيت هون، رح ضل هون؟ نحنا ما بدنا نترك قريتنا. بس بدنا نعرف إنو فينا نعيش فيها".
تتجاوز هذه الأسئلة حدود البيت، فالعديد من الشباب يتجهون يومياً إلى المدينة للدراسة أو العمل، وقد تتحول المدينة مع الوقت من محطة مؤقتة إلى حياة جديدة. وبالنسبة لآخرين، يصبح السفر خياراً مطروحاً عند انعدام الفرص الواضحة. يبرز هنا سؤال جوهري: من سيبقى ليعيد بناء الحياة إذا كان جيل الشباب هو أول من يبحث عن طريق للخروج؟
أما الأطفال، فعادوا بأسئلة لا يملك الكبار إجابات جاهزة عنها. تقول "أم حسين"، النازحة إلى مرجعيون، إن طفلها عند وصوله بدأ يبحث عن البيت قائلاً: "ماما وين بيتنا؟". أجابته: "هون". لكنه لم يصدقها، قائلاً: "هون ما في بيت". لم يكن البيت مجرد جدران، بل كان غرفته وألعابه ودفاتره. لم يفهم لماذا اختفى كل شيء ولماذا لا يمكن أن يعود كما كان. يقول حسين، ابن العشر سنوات، باكياً: "هون كانت غرفتي. كان عندي ألعاب هون، أي متى منرجع نعيش هون؟ أنا اشتقت لبيتنا. اشتقت لشباك غرفتي. كنت شوف منه الضيعة". هو لا يبحث عن تفسير للخسارة بقدر ما يسعى إلى الشعور بالأمان الذي افتقده خلال الحرب. في مشهد آخر، يتوقف طفل عن اللعب كلما سمع صوت طائرة أو انفجار بعيد، ثم يعود مسرعاً إلى ما كان منزله، فالصوت الذي يبدو عادياً للآخرين ما زال يحمل له ذاكرة أيام كان فيها الصوت يعني الخطر.
بين البيوت المهدّمة، تبقى تفاصيل صغيرة تختصر حياة كاملة: كرسي، صورة عائلية، شجرة، باب لم يعد وراءه بيت، ومفتاح ظل في الجيب رغم اختفاء القفل. بالنسبة لأصحابها، ليست مجرد بقايا، بل ما يربطهم بمكان كان يوماً بيتاً وحياة وذاكرة. ثلاثة أجيال عادت إلى المكان نفسه، لكن كل واحد منها حمل معه سؤالاً مختلفاً: الكبير السن يتذكر السنوات التي بناها حجراً حجراً، والشاب يسأل عن مستقبله، والطفل يردد ببساطة: "أين غرفتي؟". يقول سامر من النبطية: "نحنا رجعنا، بس الرجعة مش إنك توصل عالضيعة. الرجعة إنّك تقدر تعيش فيها من جديد". ربما تختصر هذه الجملة معنى العودة كله؛ فالوصول إلى المكان الذي غادره الإنسان لا يعني أن الحياة عادت معه، بل عليه أن يبحث مجدداً عن البيت، وعن الأمان، وعن نفسه. ويبقى الجنوب واقفاً بين ما كان وما سيأتي، يحاول أهله أن يعيدوا إلى الأماكن أسماءها، وإلى البيوت معناها، وإلى الركام شكل الحياة. وفي جيب أحدهم، قد يبقى مفتاح لبيت لم يعد موجوداً، مفتاح لقفل اختفى، وذاكرة لا تزال تنتظر بيتاً.
منوعات
منوعات
سياسة
سياسة