«لستُ هنا، لستُ هناك»: توثيق العيش في ظل كارثة بيروت المستمرة


هذا الخبر بعنوان ""لستُ هنا، لستُ هناك": "كوميكس" العيش على إيقاع الكارثة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في كتابهما المصوّر المشترك الجديد، «لستُ هنا، لستُ هناك»، يكشف هلال شومان وإيما حركة عن سنوات من العمل بين النص والرسم، تزامنت مع أحداث متلاحقة في لبنان والمنطقة. اختار الثنائي تناول انفجار مرفأ بيروت في آب 2020، في محاولة لفهم وتوثيق تجربة «العيش على إيقاع الكارثة المستمرة». يرى شومان وحركة أن الانفجار شكّل لحظة فارقة في تاريخ لبنان، مستهدفاً الناس في حياتهم اليومية دون تمييز، لكن التعامل السياسي معه لم يكن جامِعاً، بل زاد من تعقيدات الوضع الداخلي.
يوضح الكاتبان أن اللبنانيين غالباً ما يشيرون إلى الحروب الأهلية والاعتداءات الإسرائيلية بوصفها «أحداثاً» منفصلة، لكن تكرارها ينفي استثنائيتها ويشير إلى مسار انحداري طويل. لذا، يضعان انفجار المرفأ في سياق هذه الكوارث المتكررة، متخذين منه منطلقاً لاستكشاف المدينة وأحيائها وناسها. وقد سبقت هذه العودة الفنية عودة فعلية قام بها شومان وحركة إلى لبنان، حيث أشار هلال إلى ضرورة العودة للبلد قبل تجهيز الكتاب، خاصة وأنهما يعيشان في الخارج، وبعد توالي الأحداث منذ 2019. وأكد هلال على أهمية الدقة والحساسية في تناول موضوع كارثي، بهدف إنتاج رواية مثيرة وتوثيقية في آن واحد.
التقط الثنائي حوالي ألف صورة للأماكن المحيطة بالمرفأ كأرشيف بصري، ولم ينقلا الصور حرفياً، بل استعانوا بها بصرياً. وصف هلال زيارته للمدينة بعد عام من الانفجار بأنها كانت غريبة، حيث وجد تغيراً شاملاً في البنية التحتية، وكأنها بلد جديد. يعبّر عن علاقته المعقدة بلبنان بأنها تلاحقه أينما ذهب، وأن الكتاب محاولة للتعبير عن البلد قبل أن يختفي من الذاكرة.
تأريخ وتجارب سابقة:
يعود اهتمام هلال شومان بالقصص المصورة إلى تجربة سابقة في العام 2015 مع جنى طرابلسي لترجمة قصة مصورة عن الجغرافيا، والتي اكتشف من خلالها إمكانية دمج الصورة والأدب. ورغم ظهور الرسوم في أغلفة كتبه ورواية «ليبمو بيروت»، إلا أن هذا الكتاب هو أول رواية مصورة كاملة له. يرى شومان أن القصة المصورة مرت بمراحل ارتبطت بالمناخ العام والاهتمامات السائدة وتوجهات رأس المال. بدأ هلال مسيرته في الصحافة اللبنانية عام 2008، ثم انتقل إلى كتابة الرواية، ونشر روايتين نصيتين قبل «ليبمو بيروت» التي كانت تجربته الأولى في العمل مع رسامين.
يشير هلال إلى أن الستينيات والسبعينيات شهدت طفرة في علاقة النص بالرسم، مرتبطة بمشاريع سياسية كالقضية الفلسطينية، وكانت مصر رائدة في هذا المجال. تراجعت هذه الثقافة بعد حرب الخليج الثانية، وتحولت مجلات الأطفال نحو التركيز على القصص بدلاً من الأدب. يرى أن القصة المصورة تأثرت بالمناخ العام والاهتمامات السائدة وتوجهات رأس المال.
عين خارجية ورؤية فنية:
بدأ هلال شومان كتابة «لستُ هنا، لستُ هناك» كنص طويل، ثم وجد فيه إمكانية لرواية مصورة. بعد استشارة أصدقائه، قرر المضي قدماً في هذا الشكل الأدبي المعروف في كندا وأوروبا. استشار إيما حركة التي أبدت رأياً إيجابياً، وبدأ التنفيذ الفعلي. لم يكن لدى هلال تصور واضح للشكل النهائي، بل تطور ذلك تدريجياً، مؤكداً على عدم رغبته في رسوم شارحة للنص. استغرق العمل وقتاً للاتفاق على الأسلوب البصري، ثم استعانوا بالمصمم الداخلي روي سعادة كعين خارجية ضرورية لرؤية المشروع من منظور مختلف. أدت طبيعة المشروع إلى إعادة تحرير النص، بتقسيم الجمل في كادرات معينة لإعطاء إيحاء محدد، مع الحفاظ على إيقاع موسيقي للنص، حيث أن بعض الصفحات قد تحتوي على الرسم فقط. يؤكد هلال على أهمية الحذف في سبيل خدمة المشروع، حتى لو تعلق الأمر بجملة يحبها، فالمشروع هو القائد. تم حذف فصل عن شخص يتخذ من الانفجار ذريعة للهروب من عائلته لأنه كسر إيقاع الرواية.
تقديس الكارثة وتجاوزها:
حصل هلال وإيما على منح لاستكمال الكتاب، وتولى هلال إدارة المشروع وضبط إيقاعه. يرى أن العمل التشاركي يتطلب وقتاً لفهم التفاعلات وضبطها، وأن المرونة ضرورية. تأخر المشروع بسبب الأحداث غير المسبوقة في المنطقة. كان من الضروري الاحتفاظ بعناصر محلية لبنانية في النص لتجنب انحراف العمل. المزج بين النص والرسم كان ضرورة فنية، خاصة في ظل الأحداث المتلاحقة. يرى هلال أن عرض مشاهد الانفجار نفسه كان سيؤدي إلى ابتذال وعدم تقديم تعبير فني حقيقي. الابتعاد عن الشحن اليومي بأحداث البلد يتيح اتخاذ مسافة للنظر في أسئلة أساسية مثل العدالة، وانهيار المدينة، والعنف الكامن.
لا يميل هلال إلى القصص المصورة التي تقترب من التوثيق المباشر، مفضلاً وجود عنصر روائي أو تخييلي. الهدف ليس تقديم سجل بصري للانفجار، بل بناء عمل أدبي يستكشف آثاره. يخشى الثنائي من تحول الانفجار إلى كارثة مقدسة أو استثنائية، بينما هو كارثة من بين كوارث كثيرة، يميزها عدم حسم المسؤولية عنها، مما يجعلها كارثة جماعية. أراد الثنائي وضع الكتاب في سياق أوسع من مجرد الانفجار، نظراً لتكرار الأحداث في لبنان.
تجربة النشر والإخراج:
كانت تجربة النشر مع دار «ديوان» سهلة، لكن المراحل النهائية كشفت جوانب جديدة، مما جعله منبهراً بالشكل النهائي للكتاب. يرى هلال أن هذا الشكل من الكتب يخلق فارقاً بين الرؤية الأولية والشكل النهائي، وأن الإحساس بالإيقاع مهم جداً في الروايات المصورة. نشر الرواية خارج لبنان لا يرتبط بموضوعها بقدر ما يرتبط بسوق النشر في بيروت الذي يميل إلى موضوعات معينة ويهتم بالمعارض الخارجية. محدودية دور النشر التي تصدر الروايات المصورة في لبنان، باستثناء «السمندل»، تحد من حماس نشر الموضوعات الداخلية.
العنوان «لستُ هنا، لستُ هناك» فرض نفسه، ويعكس جزءاً من الوصل بين لبنان وكندا، حيث أن هلال جديد في كندا ولم يتمكن من كتابة شيء مفصل، مما يفتح نافذة للقراءة خارج لبنان. أما إيما حركة، فتعتبر نفسها دخيلة على عالم الكوميكس، بخلفيتها في الفن التشكيلي والتوثيق والتاريخ الشفهي. بدأت بدمج الصورة بالنص في العام 2022، بعد قراءة نهمة للكوميكس في لبنان ومصر وأوروبا وكندا. تقدّر إيما الأعمال التي تعبر عن بيئتها، وترى أن منطقتنا لديها الكثير مما يستحق الحكي بصرياً ونصياً، وأن توثيق قصصنا والتعبير عن أنفسنا بخياراتنا أمر ضروري.
الصوت الخاص والتجريب:
ترى إيما أن إقامتها في الغرب تتيح لها متابعة كيفية تحدث الآخرين عنا وكيف ينظرون إلينا، مما يؤكد ضرورة امتلاك صوتنا الخاص وطرقنا في التعبير. وجدت في نص هلال الشعري والمكثف مجالاً واسعاً للتجريب، وشعرت أن السرد البصري سيكون موازياً ويفتح هذه المساحة، مما حمسها للمشروع. استغرق العمل ثلاث سنوات تخللتها أحداث كثيرة أثرت في سير العمل. اضطرت إيما إلى إعادة رسم الفصول الأولى بسبب تغير أسلوبها البصري مع مرور الوقت. أتاحت بعض الفصول مساحة أكبر للمتعة والتجريب، مثل فصل «الحلم». تم حذف صور كثيرة، وتم وضع جدول زمني للإنتاج لتنظيم العمل. تؤكد إيما على أهمية النقاشات المثمرة مع هلال في تشكيل الكتاب النهائي، وأن للعمل نبضاً خاصاً نابعاً من نص هلال ورؤيته لبيروت.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة