كيف كُتِبَ التاريخ الإسلامي؟ رحلة في مصادر ومناهج المؤرخين


هذا الخبر بعنوان ""كيف كُتِبَ التاريخ الإسلامي؟" لوليد نويهض." نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
صدر عن دار نلسن كتاب " كيف كُتِبَ التاريخ الإسلامي؟" للمؤلف وليد نويهض، الذي يتعمق في الأسئلة المحورية المتعلقة بكتابة التاريخ. يوضح الكتاب أن هناك خلافات جوهرية حول تعريف التاريخ نفسه، ومنهجية كتابته، ومصادر معلوماته، وأدوات التحقق من صحتها. لا يزال المؤرخون والفلاسفة والعلماء يختلفون حول قراءة المعلومات وترتيبها والتدقيق في مصادرها، مما يثير تساؤلات حول دقة النقل، وانحياز المؤرخ، واحتمالية تزوير المعلومات.
يعود هذا التشكيك في قراءة حوادث التاريخ إلى اختلاف وجهات النظر بين المؤرخين، حيث يعتمد البعض على الروايات الشفهية بينما يرفضها آخرون، ويستند البعض إلى الآثار والنقد والصكوك والمراسلات والرحلات، بينما يعتبرها آخرون غير كافية. هذه الفوضى في التعريفات والمناهج والمصادر تنسحب على الكتابات التاريخية في مختلف العهود، ولا يزال منهج التشكيك في دقة الأخبار ساري المفعول، خاصة فيما يتعلق بفترة "الجاهلية" والقرن الأول الهجري، بحجة نقص المستندات والوثائق.
بالعودة إلى كتب التاريخ، يمكن رسم صورة للفترة الجاهلية بالاعتماد على الشعر، وأساليب المعاش، وأماكن التلاقي، ودور كبار العمر. يذكر اليعقوبي في تاريخه أن العرب قبل الإسلام كان لهم حكام يرجعون إليهم في أمورهم، وكانوا يقدرون الشعر كمصدر للحكمة والعلم، حيث كان الشاعر يسجل الحوادث ويحفظها في القصائد، مما جعل ديوان الشعر العربي مصدراً مهماً للتاريخ. إلى جانب أهل الشرف والشعراء، لعبت الأسواق العربية دوراً هاماً كمساحات للتعارف وتبادل المعلومات، مثل أسواق دومة الجندل، المشقر، صُحار، الشِّحر، عدن، صنعاء، الرابية، عُكاظ، وذي المجاز، ومكة، حيث كان العرب يضعون أسلحتهم في الأشهر الحرم.
كان العرب قبل الإسلام يتألفون من مجموعات قبلية توافقت على مبادئ مشتركة وخضعت لنظام من التعايش وعدم الاقتتال في الأشهر الحرم. بهذا الأسلوب، أسس اليعقوبي منهجه في قراءة حوادث التاريخ. وبالمثل، اعتمد الواقدي في تاريخه عن الإسلام منهج التتابع (التسلسل) في كتابة "فتوح الشام"، معتمداً على ذكر شيوخه ورجال السلسلة.
منهج "حدثني فلان عن فلان" اعتمدته الكتابات التاريخية في الجيل الأول للإسلام وشكلت المادة الأولية للجيل الثاني. ومن الأمثلة على ذلك، كتاب "البلدان" لابن الفقيه، الذي اتهمه النديم بالسرقة والتزوير. وصف ابن الفقيه المدن والمناطق التي زارها أو قرأ عنها، وتناول الحياة والعادات والتقاليد ونسبة الخراج وطبيعة الإقليم ومناخه وتاريخه وحكامه وأساطيره. حتى أنه نقل أقوالاً عن "خلق الأرض" معتمداً على ما ذكره عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي، واصفاً صورة الدنيا بأنها "على خمسة أجزاء كرأس الطير والجناحين والصدر والذنب".
على الرغم من الانتقادات التي وجهت لكتاب ابن الفقيه واتهامه بالسرقة واقتطاع المعلومات من مؤلفات غيره دون ذكرهم، تظل لهذه الأخبار والروايات أهميتها لأنها تعكس فضاءات تلك اللحظات الزمنية. فالمؤرخ، كالجغرافي والمحدث، ابن فترته. تكمن أهمية هذه السرديات في كشفها لدرجة المعرفة في تلك الفترة وأسلوب تفكير "النخبة" التي اجتهدت ونقلت ما وصلها. كتاب "البلدان" لابن الفقيه، على سبيل المثال، لا يملك قيمة علمية في حاضرنا، لكنه يقدم للقارئ المعاصر فكرة عن "المخيّلة" التي كانت تحاول تقديم صورة عن عالم مجهول.
عندما كتب ابن الفقيه عن "البلدان" قبل حوالي 1100 سنة، لم تكن معلوماته متخلفة كما هي الآن. هنا تكمن أهمية الكتب الجغرافية التي تعيد مخيلتنا إلى الوراء لندرك درجة المعرفة وأدواتها في ذلك العهد. وينطبق القانون نفسه على الأخبار الأولى من تاريخ الإسلام، التي نقلها أصحاب الرسول وأصحاب أصحابه قبل أن تُكتب. هؤلاء المراجع والمصادر يشكلون ثروة في حفظ ونقل وتسجيل المعلومات والأخبار التي تجمعت في مصبات (أرشيف) تم الاستفادة منها لإعادة تدوينها وترتيبها.
حاول مسكويه تفسير ذلك في كتابه "تجارب الأمم"، حيث يرى أن التاريخ "تجربة في أمور لا تزال يتكرّر مثلها"، وأن الحوادث تتكرر لأن "أمور الدنيا متشابهة". وباستطاعة الإنسان مقارنة الحاضر بالماضي والاهتداء بتجارب الأسلاف. تجمعت هذه المصادر في دائرة كتابة التاريخ التي تطورت إلى علم قراءة الوقائع، مستفيدة من الكتاب والأحاديث والروايات الشفهية والقصائد الشعرية وغيرها من القنوات التي استخدمت "الذاكرة" آلة حافظة.
بدأت الكتابة التاريخية عفويّة ثم تقدمت حتى استقرت منهجيّاً على منظومة فلسفية تتبع شروطاً للتأكد من صحة المعلومة. بسبب الخوف من انحياز المؤرخ، حذر الفقهاء من خطورة الأخطاء. الإمام الغزالي، على سبيل المثال، تجنب الأخذ بروايات المؤرخين وانحاز إلى أخبار الفقهاء وكتبة الأحاديث. هذا الموقف يعكس الانقسام الذي تأسس في مطالع القرن الأول الهجري واستمر حتى عهد ابن خلدون، الذي حدد شروطه للتأكد من دقة الخبر في مقدمته.
حتى ابن خلدون، الذي انتقد أخطاء المؤرخين، وقع في مغالطات بسبب قلة المعلومات أو الانحياز. لا شك أن هناك أخطاء وثغرات وآراء متباينة في التعامل مع خبر واحد، وهذه مسألة منطقية يمكن ملاحظتها في قراءاتنا المعاصرة للأحداث. المشكلة تبدأ في صحة الخبر، وهل وقع فعلاً، وكيف حصل، وما إذا كان ما روي عنه صحيحاً أم فيه مبالغة أو افتراء. كان هناك تشكيك دائم في "الوقائع"، وهو ما يمكن ملاحظته في كتب التاريخ بدءاً من الطبري وصولاً إلى ابن خلدون، الذي حرص على رسم منظومة فلسفية لكتابة التاريخ.
بعد قوانين ابن خلدون، تحسنت كتابة الأخبار نسبياً، لكن منهج التجميع والسرد والترتيب بقي أقرب إلى أساليب القُدامى كالطبري والمسعودي ومسكويه. حتى الكافيجي، الذي جمع كل ما قيل عن "التاريخ" إلى زمنه، لم يعتمد نظرية نهائية لوصف "الخبر" ومدى صحته. يبقى السؤال عن المسار الزمني لكتابة التاريخ الإسلامي ومتى بدأت تلك اللحظة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة