كتاب 'البحث عن اليقين': رحلة فلسفية في مواجهة الألم وفقدان الأحبة


هذا الخبر بعنوان "اليقين بين عبورٍ وعبور" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُقدم كتاب "البحث عن اليقين" لأنطوان بديع مظلوم، استكشافاً عميقاً لأنسنة واقعنا المعقد، حيث يسير القارئ في دروب مظلمة بحثاً عن الخلاص من صمتٍ رهيب. يواجه الكتاب لحظات الحقيقة الصعبة التي تتجرد فيها الأفكار، ويعجز العلم عن تقديم الحلول، ليظل اليقين مجرد رؤى تستنطق خواء الإيمان أمام الادعاءات الكبيرة.
يتناول الكتاب التساؤل الوجودي للمؤمنين بوجود الخالق حول سبب عدم وقوفه في وجه الكوارث وموت الأبرياء. وعند الوصول إلى اليقين، تتضح هذه الأسرار العظيمة التي تصاحبنا في حلّنا وترحالنا، لتصبح إيماناً راسخاً ومدخلاً للسلام الداخلي، بدونه نظل في قلق الوجود نمارس طقوساً فارغة.
يُتوج الكتاب رحلة مظلوم الروحية، الذي يبحث عن فعل الخالق في كل مصيبة، دون أن يجد إجابة شافية. ومن هذه العتبة بين الإيمان والشك، يفتح الكتاب آفاقاً للتأمل في كيفية مقاومة تحديات الحياة التي تثقل كاهل المؤمن المنتظر لتدخل إلهي، ليجد نفسه وحيداً في مواجهة قدره.
يُعد هذا الكتاب سيرة ذاتية فلسفية لرجل عادي يواجه الفقدان، الموت، الحرب، والهجران. يسرد صراع الإنسان مع الحياة على حافة اليقين والإلحاد، في عالمٍ مليء بالألم والرحمة، وعصرته آلام الأمهات. يعترف مظلوم بوجود إله لا لزوم له، ثم يصل إلى إيمان راسخ بوجود الله في كل تفاصيل الحياة.
يستعرض الكتاب تجربة شخصية مؤثرة، حيث يصف عام 1975 بأنه عام انشطر فيه الزمان، وبدأت فيه لعنة تسحبهم إلى عالم مجهول. كما يتطرق إلى مفهوم الأخوة، وكيف انكسرت على ركبة الجهل بسقوط أخ الكاتب. يصف مظلوم الموت بأنه ليس حدثاً، بل هو انقطاع للنفس عن جهة ليعلق في جهة أخرى، فجوة في النسق، وثقب أسود في نسيج العائلة.
يُصور الكتاب حزن الأم الثكلى، التي كانت قبل موت ابنها تحمل قنديل الهداية، وتزرع في أبنائها بذور السعادة. يتساءل الكاتب عن كيفية إخبار أم بأن قلبها ينزف، وأن أحد أضلعها قد سقط جريحاً، دون أن تموت الحياة في عينيها.
يبقى اليقين راسخاً بين عبور وآخر. يظل طيف الأخ الراحل حاضراً في كل تفصيل، حتى عند مغادرة الكاتب لوطنه، أو نجاته من حادث سير في باريس. يؤكد الكتاب أن الله حاضر ويمنح السلام للمؤمن في الوقت المناسب. حب الوطن يقين، كالحزن على المفقود، والسلامة يقين كوعد لقاء.
دون مظلوم لحظات زرع بذور الحنين إلى الوطن والحزن العميق عند مغادرته، ونقل بصدق الروح تحوله من الشك في تغاضي الله عن المآسي إلى اليقين الراسخ عند ولادة فرح جديد من رحم المأساة. يصف لحظة هبوط طائرته في مطار باريس بأنها ليست هبوطاً على أرض، بل على عمر جديد، مثقلاً بوجع، خوف، وأمل هش.
في الختام، يُعد كتاب "البحث عن اليقين" درساً في أنسنة واقعنا، نبحث فيه عن أمل مرتجى بين سطور الحكمة الضالة، لنجده في اليقين القابع في دواخلنا، الذي يتفجر غضباً أو حباً وسلاماً، مرددين مع أنطوان بديع مظلوم: "أراك أحياناً في لمعة عينيّ شخص يمرّ بجانبي، وأحياناً في نغمة طائر يغادر، لكنك... تتبخّر قبل أن ألمسك."
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة