ترامب وإيران: بين استرضاء طهران أو جرها نحو الانهيار


هذا الخبر بعنوان "دونالد ترامب أمام الاستحقاق: إسترضاء النظام في إيران او استدراجه لإسقاطه" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تختزل رسالة جي. دي. فانس إلى محسن رضائي المأزق الذي يقترب منه الرئيس دونالد ترامب في علاقته بإيران: استعداد أميركي للتعامل مع الحكام في طهران، شرط أن يعطوه شيئاً في الملف النووي يقابله إصرار إيراني على انتزاع ضمانات قبل تقديم التنازلات. المسألة بين فانس ورضائي تتجاوز تبادل الرسائل إلى تحديد من يملك الوقت. تختزل رسالة نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي المأزق الذي يقترب منه الرئيس دونالد ترامب في علاقته بالجمهورية الإسلامية الإيرانية: استعداد أميركي للتعامل مع الحكام في طهران، شرط أن يعطوه شيئاً في الملف النووي، يقابله إصرار إيراني على انتزاع ضمانات قبل تقديم التنازلات. المسألة تتجاوز تبادل الرسائل إلى تحديد من يملك الوقت، ومن يستطيع تحويل حاجة الآخر إلى التهدئة، أو التصعيد، إلى مكسب استراتيجي. وبين الاسترضاء والإرغام، يضيق هامش الرئيس الأميركي كلما تصرفت طهران على أساس أن حاجته إلى اتفاق أكبر من حاجتها إليه. فيما تتسارع محاولات دول المنطقة توفير مخرج ديبلوماسي لردع استئناف العمليات العسكرية الأميركية والاسرائيلية الكبرى خشية انتقام ايران منها بوعد تدميرها. المعزة الإيرانية الخاصة لفانس، باعتباره من المتحفظين عن التورط العسكري، قد تفتح له باباً لا يُفتح لغيره، لكنها لا تكفي لتغيير حسابات الحكم في طهران. فالثقة، من المنظور الإيراني، تستلزم أكثر من رسالة ترغيب من نائب الرئيس الأميركي. إنها تستلزم ضمانات تتعلق بمصير النظام وبما سيأتي بعد التنازل النووي الأول. لذلك، فإن السؤال الجوهري هو مدى استعداد أصحاب القرار لتعديل العقيدة النووية، بعدما جعلوا منها ركيزة لبقاء النظام ومكانته الإقليمية، لا مجرد ورقة قابلة للمقايضة. هنا تكمن أهمية أي تفاهم محتمل على إخراج اليورانيوم المخصب من إيران. مثل هذه الخطوة يمكن أن تمنح ترامب إنجازاً قابلاً للتقديم إلى الأميركيين، وأن تفتح مساراً تتجاوز فيه الديبلوماسية مجرد تأجيل الحرب. لكن إمكان البحث فيها لا يعني أن الموافقة الإيرانية أصبحت متاحة. فإذا اشترطت طهران الحصول مسبقاً على الضمانات التي تريدها قبل تناول الملف النووي، فتكون قد طالبت واشنطن بدفع ثمن التفاهم قبل التأكد من إمكان التوصل إليه. عندئذ يعود التفاوض إلى الدوران حول شروط الدخول إليه. رسالة فانس تحتمل، من هذه الزاوية، قراءتين. إنها محاولة ترغيب جدية تمنح الحكام في طهران فرصة للتعامل مع إدارة مستعدة للتفاهم معهم. وقد تتحول، إذا اصطدمت بالشروط الإيرانية، إلى المحطة التي تستند إليها الإدارة لإعلان استنفاد البدائل الديبلوماسية. ليس بالضرورة أن الرسالة صيغت لإفشال التفاوض، إنما مصيرها قد يجعلها الفرصة الأخيرة قبل استئناف العمليات العسكرية الكبرى. والفارق بين الاحتمالين يتوقف على ما تستطيع طهران تقديمه، وعلى الحد الأدنى الذي يقبل ترامب اعتباره إنجازاً. تكتسب مساعي السعودية و باكستان و تركيا ، في إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك، أهميتها الاستراتيجية من قدرتها المحتملة على توفير مظلة إسلامية لمرونة إيرانية. فالوفد الذي توجه إلى طهران يحمل فرصة لإقناع النظام بأن التراجع عن بعض شروطه يمكن أن يندرج في تفاهمات إقليمية تمنحه مكاناً، بدلاً من أن يبدو استجابة منفردة للإكراه الأميركي. هذه الدول تستطيع تسهيل الانتقال إلى الديبلوماسية، لكنها لا تستطيع اتخاذ القرار النووي نيابة عن إيران، ولا ضمان ما يرفض الحكام في طهران الالتزام به. المعضلة الأعمق أن إشراك إيران في ترتيبات المنطقة يستلزم قبولها مفهوم الشراكة نفسه. فحين تعرض الدول الإقليمية مظلة للتفاهم، تعرض مكاناً إلى جانبها، فيما يتصرف الحكم الإيراني بمنطق الأحقية في صوغ مسار المنطقة وقيادتها. لا يمكن بناء ترتيب مستقر إذا كانت طهران تعتبر مساواتها بجيرانها انتقاصاً من موقعها. وعند هذه النقطة يصبح التشدد النووي جزءاً من معركة أكبر على طبيعة النظام الإقليمي المقبل: هل يقوم على التزامات متبادلة، أم يمنح إيران الاعتراف بنفوذ تحتفظ بأدوات فرضه؟ كلام السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق توم براك قبل أيام يضيء على المقاربة الأميركية لهذه المعضلة. العبارة الأساسية فيه هي الاقتراب من "اتفاق على مسار". فهو يتحدث عن مهلة لخفض التوتر، وعن إتاحة المجال للمنطقة كي تحدد وتيرتها، وعن تفاهمات واصطفافات جديدة. ويقول بوضوح إن الحل الشامل لن يأتي فوراً. معنى ذلك أن الطموح المباشر هو إدارة الملف ووقف الأعمال العسكرية العدائية، فيما تُترك معالجة جذور النزاع لمراحل لاحقة. وهذه مسافة سياسية كبيرة تفصل بين التهدئة وبين تسوية أسباب الحرب. الأكثر دلالة في كلام براك هو أن الولايات المتحدة لا تستطيع حل كل شيء، وأن على المنطقة تحمل مسؤولية شؤونها. من حيث المبدأ، للدول الإقليمية مصلحة وحق في صوغ مستقبلها. إنما تحميلها مسؤولية المرحلة المقبلة يطرح مسألة مسؤولية واشنطن عن المرحلة التي قادت إليها. فإعادة تشكيل التفاهمات الإقليمية قد تتيح مخرجاً للإدارة الأميركية، لكنها قد تنقل أيضاً إلى دول المنطقة أعباء حرب لم تكن هي صاحبة قرارها، وتلزمها إيجاد تسوية لتبعات خيارات اتُخذت في واشنطن وطهران. هنا ينتقل النقاش من التلكؤ الأميركي إلى الغاية من إعطاء الوقت. فإذا كانت المهلة ستنتج التزامات إيرانية وتضمن أمن الدول المعرضة للانتقام، فتصبح أداة لبناء تفاهم قابل للاستمرار. أما إذا اكتفت بخفض التوتر فيما تحتفظ إيران بأدوات الضغط نفسها، فإنها تؤجل المواجهة وتعيد توزيع كلفتها. لذلك تحتاج إدارة ترامب إلى توضيح ما تنتظره من دول المنطقة، وما ستلتزم به حيالها، وكيف ستمنع تحول دعوتها إلى تحمل المسؤولية إلى إعفاء للولايات المتحدة من مسؤولياتها. لا نعرف تماماً إن كان ترامب يقع بين معسكرين متماسكين داخل إدارته، لكن التباين بين المقاربتين يستحق التوقف عنده. فهناك اتجاه يمثله، بدرجات مختلفة، فانس وبراك، ويجد صداه لدى نجل الرئيس دونالد ترامب جونيور، يريد توسيع فرص تجنب استئناف الحرب وإعطاء الدول الإقليمية مجالاً للتحرك. وهناك تشديد لدى شخصيات مثل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث، وربما صهر الرئيس والمشارك في جهود الوساطة جاريد كوشنر، على ضرورة الخروج بنتيجة يستطيع الرئيس تقديمها باعتبارها أفضل من اتفاق الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. ولا يجعل ذلك كل المطالبين بنتيجة ملموسة دعاة حرب، أو كل المتحفظين عنها مستعدين لقبول أي اتفاق. براك نفسه يؤكد جدية الخيار العسكري، ويتحدث عن بذل كل جهد خلال أسبوعين أو ثلاثة للوصول إلى الخطوات التالية، لا إلى إغلاق الملف. هذه مهلة للعمل الديبلوماسي في تصوره، وليست إعلاناً لموعد ضربة. لكنها تكشف أيضاً حجم الهوة بين توقع إنجاز نووي عاجل وبين الرهان على تفكيك التعقيدات تدريجاً. وترامب هو الذي سيقرر إلى متى يستطيع تحمل هذه الهوة، خصوصاً إذا خلص إلى أن طهران تستخدم التفاوض لاستنزافه سياسياً. رهان الحرس الثوري على إضعاف ترامب في الانتخابات النصفية، عبر الضغط ورفض منحه إنجازاً نووياً، قد ينقلب على أصحابه. فإذا اقتنع الرئيس الأميركي بأن المقصود هو إسقاطه سياسياً، فقد ينتقل من السعي إلى اتفاق مع النظام إلى السعي لإضعافه تدريجاً، وربما تهديد بقائه. عندئذ تصبح احتمالات التصعيد بعد الاستحقاق الانتخابي أكثر جدية. ويبقى توقيتها مرتبطاً بقراره وبما تحمله الديبلوماسية، بعدما بات السؤال يتجاوز إمكان الاتفاق إلى ما سيترتب على فشله. خطورة هذه المعادلة أنها تجعل أمن المنطقة رهينة تقدير كل طرف لقدرته على إسقاط الآخر. الحسم العسكري، إذا اختاره ترامب، لا يعفيه من تحديد غايته السياسية ولا من توفير الحماية لحلفائه. كما أن إعطاء الديبلوماسية فرصة إضافية يستلزم معرفة ما الذي سيتغير خلالها، حتى لا تصبح الفرصة الأميركية فرصة إيرانية لتثبيت مكاسب التشدد. المطلوب من واشنطن استراتيجية تصل قرار الحرب بما بعده، وتصل عرض التهدئة بضمانات تجعلها قابلة للحياة. لهذا قد يصبح التفاهم شبه مستحيل إذا ظل المطلوب من دول المنطقة قبول شروط إيران، ومن واشنطن الاكتفاء بإدارة التصعيد. المبادرة الديبلوماسية تستحق الفرصة، لكن نجاحها يحتاج إلى قرار إيراني بالمرونة ومسؤولية أميركية عن النتائج. إدارة ترامب مطالبة بأن تحدد ما تريد تحقيقه، وما ستفعله لحماية حلفائها إذا تعثرت الديبلوماسية أو استؤنفت الحرب. لا يكفي أن تطلب منهم معالجة التبعات فيما يبقى قرار التصعيد بيدها وقرار الانتقام منهم بيد طهران. أما دول المنطقة، فلا يمكن أن تكون كفيلة التسوية وكبش فداء فشلها في آن واحد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة