مصر تعيد تعريف معركة النيل: من التفاوض إلى المواجهة السياسية والاستثمارية


هذا الخبر بعنوان "مصر تعيد صياغة معركة النيل" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
نجحت إثيوبيا في بناء سد النهضة، لكن هذا الإنجاز لم يمنحها ملكية نهر النيل. تكمن المهمة المصرية الحالية في تحويل هذه الحقيقة القانونية، التي تُطرح في المؤتمرات، إلى معادلة سياسية واستثمارية مفهومة لكل من يفكر في تمويل مشاريع جديدة على النيل الأزرق. لم تعد أديس أبابا تتعامل مع سد النهضة كمشروع منفرد انتهى الجدل حوله، بل تقدمه كنموذج قابل للتكرار. لم يعد الخلاف بين مصر وإثيوبيا يقتصر على سد مكتمل البناء أو جولة مفاوضات جديدة قد تنتهي بتسوية وسطية. فقد اتسعت الأزمة لتشمل التساؤل حول ما إذا كانت دولة المنبع ستتمتع بسلطة منفردة على إدارة المياه، أم ستبقى مقيدة بالقانون الدولي وحقوق الدول التي تعتمد حياتها على النهر. هذه هي الخلفية التي تمنح التحول الأخير في الخطاب المصري أهميته، حيث تنتقل القاهرة تدريجياً من إدارة التفاوض مع إثيوبيا إلى إدارة مواجهة سياسية ودبلوماسية أشمل. مواجهة لا تنكر حق دول المنابع في التنمية، لكنها ترفض أن يتحول هذا الحق إلى غطاء لفرض الأمر الواقع. الخطاب الإثيوبي الجديد يقدم سد النهضة كنموذج قابل للتكرار، ودليل على أن بناء السدود وتشغيلها يمكن أن يمضي دون اتفاق مسبق مع دولتي المصب. وقد ظهر ذلك بوضوح في تصريحات غيديون أسفاو، كبير مستشاري السدود والمياه العابرة للحدود، عن اعتزام بلاده مواصلة بناء "سدود تخزينية" جديدة، ودعوته مصر والسودان لقبول ما وصفها بحقائق قائمة على الأرض. كما عاد لاتهام مصر بالسعي للسيطرة على مياه النيل، مستنداً إلى رفض إثيوبيا اتفاقيتي 1929 و1959. المشكلة ليست في حق إثيوبيا في توليد الكهرباء أو التنمية، وهو حق لم تنكره مصر، بل في محاولة تحويل وجود المنابع داخل الأراضي الإثيوبية إلى صلاحية للتحكم المنفرد بمورد دولي مشترك. ويزداد الأمر خطورة مع الإعلان عن سدود تخزينية أخرى، وإنشاء لجنة إثيوبية لحساب "خسائر" مشروعات مائية تزعم مصر أنها عطلتها، وطرح فكرة حصول دول المنابع على مقابل مالي نظير حماية التجمعات المائية. وهكذا تنتقل الاستراتيجية الإثيوبية من تثبيت واقع سد النهضة إلى بناء أساس سياسي واقتصادي لمنظومة أوسع من السدود. لذلك، لم يعد كافياً أن تقتصر تحركات مصر على مناقشة تشغيل سد قائم، بل أصبحت مطالبة بالتعامل مبكراً مع التمويل والعقود ودراسات الأثر وقواعد التشغيل للمشروعات التالية. يظل السودان الطرف الأكثر تعرضاً للمخاطر التشغيلية المباشرة، لقرب سدوده ومنشآته من سد النهضة. موقفه الرسمي لا يزال متمسكاً باتفاق قانوني ملزم وتبادل منتظم للبيانات، مؤكداً مع مصر رفض الإجراءات الأحادية واعتبار أمنهما المائي كلاً لا يتجزأ. لكن السودان، بسبب الحرب الداخلية وتصدع مؤسساته وتعدد جبهاته الأمنية والإنسانية، لا يستطيع حالياً أداء الدور الدبلوماسي والفني الذي يفرضه موقعه. هذا الغياب النسبي يمنح إثيوبيا مساحة أكبر للمناورة، ويلقي على القاهرة عبئاً إضافياً، وهو الدفاع عن مصالح دولتي المصب مع العمل في الوقت نفسه على دعم بقاء السودان موحداً وقادراً على استعادة مؤسساته. فالدفاع عن أمن مصر المائي يبدأ أيضاً من صون الدولة السودانية، لا من التعامل معها كمجرد ممر للمياه. في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم بلغة مختلفة عن الخطاب الفني الحذر الذي طغى سنوات طوال. وصف سويلم السد، في هيئته وطريقة إنشائه وملئه وتشغيله الأحادي، بأنه "غير شرعي"، مؤكداً أن اكتمال البناء أو مرور الزمن لا يحولان الإجراء المخالف إلى حق مكتسب. كما شدد على أن مصر تحتفظ بجميع التدابير المشروعة التي يتيحها القانون الدولي، وأن الصبر المصري لم يكن قبولاً بسيطرة إثيوبيا المنفردة على النهر. أهمية هذا الخطاب لا تكمن في حدته وحدها، بل في أنه أعاد ترتيب الرواية المصرية بصورة أوضح. فمصر لا تعترض على بناء السدود من حيث المبدأ، بل تعترض على البناء والتشغيل دون إخطار وتشاور ودراسات واتفاق. الدليل الذي يقدمه سويلم هو قبول القاهرة مشروع سد "غراند فولا" في جنوب السودان، لأنه نوقش عبر مؤسسات مبادرة حوض النيل وخضع لمسار تبادل المعلومات والتشاور. وبذلك تسحب مصر من إثيوبيا إحدى أهم أدواتها الدعائية: تصوير الخلاف كمواجهة بين دولة منبع تريد التنمية ودولة مصب تسعى لاحتكار النهر. الفارق الذي تطرحه القاهرة ليس بين التنمية ومنعها، بل بين تنمية تعاونية قابلة للتمويل وتحترم حقوق الآخرين، وتنمية أحادية تحول المياه إلى أداة نفوذ سياسي. هذه ليست مغادرة للدبلوماسية بل محاولة لإعادة تعريفها. فالدبلوماسية التي لا تضع حدوداً واضحة قد تتحول إلى غطاء لكسب الوقت. أما الدبلوماسية المؤثرة فهي التي تجمع بين اليد الممدودة، والحق القانوني، والقدرة على بناء المصالح، وترك الخيارات المشروعة مفتوحة. التحول لم يبقَ على مستوى وزير الري. ففي افتتاح أسبوع القاهرة للمياه، وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي معادلة واضحة: مصر تدعم حق جميع دول الحوض في التنمية، لكنها ترفض أن يمنح موقع المنبع أي دولة حق التحكم المنفرد بمورد تتشاركه شعوب عدة. وقال إن الرهان على قبول مصر بالأمر الواقع أو التفريط في أمنها المائي "رهان خاسر". الأكثر نضجاً في التوجه المصري الجديد هو إدراك أن مواجهة المشروعات الإثيوبية المقبلة لن تُحسم بالبيانات وحدها. فالسدود الكبرى تحتاج إلى ممولين وشركات تأمين ومقاولين وشبكات نقل كهرباء وأسواق لشراء الطاقة. وهنا تستطيع القاهرة تحويل موقفها القانوني إلى عامل يدخل في حسابات المخاطر الاستثمارية. كما تعمل مصر على تقديم بديل إيجابي داخل أفريقيا، مشروعات مياه وطاقة قابلة للتمويل، وبناء قدرات، وحصاد أمطار، ومراكز تنبؤ، وتعاون مع مرفق المياه الأفريقي ومجلس وزراء المياه الأفارقة. ويتيح ذلك لها القول إن موقفها ليس دفاعاً سلبياً عن حصتها، بل تصوراً للتنمية يحمي جميع الأطراف. الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما تنتقل السدود الجديدة "آبو" من التخطيط إلى طلب التمويل والتعاقد. وحتى الآن لا توجد عقود تنفيذ أو جهات تمويل معلنة أو أعمال إنشاء موثقة في المواقع الثلاثة. ومن مصلحة مصر ألا تنتظر ظهور المعدات على الأرض، بل أن تجعل الإخطار المسبق ودراسات الأثر والتنسيق التشغيلي شروطاً حاضرة أمام كل ممول وشريك محتمل. لقد نجحت إثيوبيا في بناء سد، لكنها لم تحصل بذلك على ملكية النهر. والمهمة المصرية الآن هي تحويل هذه الحقيقة من مبدأ قانوني يقال في المؤتمرات إلى معادلة سياسية واستثمارية يفهمها كل من يفكر في تمويل مشروع جديد على النيل الأزرق. عندها فقط يصبح الخطاب الجديد بداية سياسة مختلفة، لا مجرد احتجاج أكثر بلاغة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة