تنويه
هذا الخبر بعنوان "لبنان وسيكولوجيا الحوكمة المريضة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تختزن الحوكمة في لبنان مفارقةً بنيويّةً تتجاوز اختلال الأداء السّياسيّ والإداريّ إلى طبيعة الذّهنيّة التي تتحكّم بإنتاج السّلطة وممارستها وإعادة تدويرها. فالدّولة التي يُفترض أن تنتظم وفق دستورٍ يحدّد صلاحيّات مؤسّساتها، ويضبط توازن السّلطات فيها، ويصون سيادتها، تحوّلت تدريجيًّا إلى فضاءٍ مفتوحٍ للتّأويل الانتقائيّ، والتّفاوض المستدام على البديهيّات، وتعليق القرارات المصيريّة بانتظار تسوياتٍ لا تنتهي.
في قلب هذا الاختلال تتشكّل ثلاثيّةٌ سيكولوجيّةٌ وسياسيّةٌ متلازمة: التريُّث، والمُناوَرَة، والمُقايَضَة. ثلاثيّةٌ تبدو في ظاهرها أدواتٍ لإدارة التّعقيد، لكنّها في عمقها تحوّلت إلى آليّاتٍ لإنتاج العجز، وتفكيك المسؤوليّة، وتطبيع الانحراف عن الاستقامة المؤسّساتيّة. تتجاوز خطورة هذه الثّلاثيّة نتائجها المباشرة إلى قدرتها على تشكيل وعيٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ يعتبر الحسم تهوّرًا، والوضوح استفزازًا، والالتزام بالدّستور تصلّبًا، والمساءلة تهديدًا للاستقرار. هكذا تُعاد صياغة المعايير الأخلاقيّة للسّلطة، بحيث يصبح تعطيل القرار حكمةً، والتّلاعب بالمواقف مرونةً، وتبادل التنازلات على حساب المصلحة العامّة واقعيّةً سياسيّةً.
إنّها عمليّة قلبٍ منهجيٍّ للمعاني، تستدعي مقاربةً تفكيكيّةً تكشف ما تخفيه المفردات خلف ادّعاءاتها، وتبحث في البنية النّفسيّة التي تجعل الانحراف ممارسةً مألوفةً، بل قابلةً للتّبرير والتّفاخر. هنا تكتسب فلسفة جاك دريدا التّفكيكيّة أهمّيّتها المنهجيّة، لا باعتبارها وصفةً سياسيّةً جاهزةً، بل أداةً نقديّةً لقراءة التّناقضات الكامنة في الخطاب والممارسة، وتفكيك الثّنائيّات التي تُنتج الشّرعيّة الظّاهريّة وتخفي اختلالاتها. المشكلة اللّبنانيّة تتجلّى في المسافة بين الدّستور بوصفه مرجعيّةً مُلزِمةً، والدّستور بوصفه نصًّا تُعلّق دلالاته حين تتعارض مع مصالح مواقع النّفوذ؛ وبين السّيادة بوصفها وحدةً لا تتجزّأ، والسّيادة بوصفها موضوعًا للتّفاوض؛ وبين الإصلاح بوصفه التزامًا مؤسّساتيًّا، والإصلاح بوصفه خطابًا لإعادة إنتاج المنظومة نفسها.
يفضح المعنى السّياسيّ، من خلال المنهج التّفكيكيّ، الانتقال من مساءلة القرارات إلى مساءلة الشّروط التي تجعل قراراتٍ معيّنةً ممكنةً، وأخرى مستحيلةً. المعنى السّياسيّ لا يتكوّن فقط ممّا يُعلَن، بل أيضًا ممّا يُؤجَّل ويُستبعَد ويُسكَت عنه. من خلال مفهوم الاختلاف والإرجاء، بحسب ما يسمّيه دريدا، يمكن فهم كيف تتشكّل الدّلالات عبر علاقات الاختلاف والتّأجيل، من دون أن يستقرّ المعنى نهائيًّا في صيغةٍ مغلقة. غير أنّ استحضار هذا المفهوم في قراءة الواقع اللّبنانيّ يحتاج إلى تمييزٍ فلسفيٍّ ضروري. الإرجاء عند دريدا ليس مرادفًا للمماطلة السّياسيّة، والتّفكيك لا يعني إسقاط القواعد الدّستوريّة أو تبرير العبث المؤسّساتيّ. إنّما تسمح المقاربة التّفكيكيّة بكشف كيف يُستعمَل التّأجيل لإنتاج سلطةٍ تتحكّم بشروط القرار، وكيف تُستثمَر تعدّديّة التّأويلات لإفراغ الالتزامات من مضمونها.
لا يكتفي الخطاب السّياسيّ في لبنان، بتبرير التّناقض بين القول والفعل، بل يعيد إنتاج هذا التّناقض بوصفه شرطًا لاستمرار النّظام. يُعلَن الالتزام بالدّستور، ثمّ يُشترَط تطبيقه بالتّوافق. تُرفَع السّيادة شعارًا، ثمّ تُربَط ممارستها بحسابات القوى. يُقدَّم الإصلاح أولويّةً، ثمّ تُستحدَث له شروطٌ تجعل تنفيذه رهينة المستفيدين من تعطيله. تفضح هذه المفارقات حضور ما يمكن تسميته "السّلطة المستترة داخل النّصّ المعلَن". النّصّ الدّستوريّ يبقى حاضرًا في الخطاب، لكنّ فاعليّته تُصادَر في الممارسة. المبدأ الأخلاقيّ يُستدعَى لتجميل القرار، فيما تُحدّد المصالح الخاصّة وجهته الحقيقيّة. بذلك تصبح مهمّة التّفكيك الكشف عن البنية التي تسمح للسّلطة بأن تقول الشّيء ونقيضه، من دون أن تتحمّل مسؤوليّة التّناقض.
التريُّث - المَرَض: يحمل التريُّث في معناه السّليم فضيلة التّبصّر، وتقدير العواقب، وتجنّب القرارات المتسرّعة. غير أنّه في سيكولوجيا الحوكمة اللّبنانيّة تحوّل، في محطّاتٍ مفصليّةٍ، إلى آليّةٍ دفاعيّةٍ تُخفي الخوف من تحمّل المسؤوليّة. القيادة التي تمتلك المعطيات والصّلاحيّات والموجبات الدّستوريّة، ثمّ تمتنع عن القرار بحجّة انتظار الظّروف المناسبة، لا تمارس بالضّرورة الحكمة؛ إنّها قد تمارس هروبًا منظّمًا من مقتضيات موقعها. تتجلّى هذه الذّهنيّة خصوصًا عند تقاطع الدّستور والسّيادة. حين يتعلّق الأمر بحصريّة السّلطة الشّرعيّة، أو استقلال القضاء، أو انتظام المؤسّسات، أو تنفيذ القرارات الدّستوريّة، يصبح التريُّث أحيانًا اسمًا مهذّبًا لتعليق الواجب. تُستبدَل الأسئلة الجوهريّة حول ما يجب فعله بأسئلةٍ إجرائيّةٍ حول التّوقيت، والظّروف، والضّمانات، والتّوافقات. سيكولوجيًّا، يكشف هذا السّلوك عن خوفٍ من خسارة الامتيازات أكثر ممّا يكشف عن خشيةٍ على الاستقرار. صاحب القرار لا يقيس فقط كلفة الفعل على الدّولة، بل كلفته على موقعه وعلاقاته وشبكات حمايته. حين تتقدّم سلامة الموقع على سلامة المؤسّسة، يصبح التريُّث أداةً لحماية الذّات السّلطويّة. الأخطر أنّ التريُّث يُنتج مع الوقت ثقافةً مؤسّساتيّةً فاقدةً للمبادرة. الإدارة تنتظر الوزير، والوزير ينتظر التّوافق، والتّوافق ينتظر تبدّل الموازين، والموازين تنتظر الخارج. هكذا تتشكّل سلسلةٌ من التّبعيّات المتبادلة، يتعذّر معها تحديد المسؤول عن القرار المؤجَّل. ويغدو الوقت نفسه أداةً من أدوات السّلطة، فيما يدفع المواطن / ة كلفة الانتظار من أمنه وكرامته وفرص عيشه.
المُناوَرَة - الإنفصام: تختلف المُناوَرَة عن التريُّث في أنّها لا تكتفي بتعليق القرار، بل تسعى إلى إعادة توزيع مواقعه ومعانيه بما يضمن استمرار النّفوذ. إنّها ممارسةٌ تقوم على تعدّد الخطابات، وتبديل التّموضعات، وإنتاج الغموض المقصود، بحيث يصعب إخضاع الفاعل السّياسيّ لمعيارٍ ثابتٍ للمحاسبة. في هذه البيئة، يُقال أمام الجمهور ما يُناقَض في الغرف المغلقة، وتُعلَن المبادئ التي تُفرَّغ لاحقًا من مضمونها عبر الاستثناءات. وقد تُرفَع شعارات الدّولة القويّة فيما تُحمَى شروط ضعفها، أو تُعلَن مساندة القضاء مع الاعتراض على نتائج استقلاله، أو يُشاد بالإصلاح مع تعطيل أدواته الرّقابيّة. يمكن توصيف هذه الحالة بوصفها انفصامًا مؤسّساتيًّا مجازيًّا، لا تشخيصًا نفسيًّا سريريًّا. الفاعل السّياسيّ يتصرّف وفق منظومتَين متعارضتَين من القيم: منظومةٍ علنيّةٍ تستمدّ شرعيّتها من الدّستور والمصلحة العامّة، ومنظومةٍ فعليّةٍ تستمدّ قوّتها من الولاءات والمصالح وموازين النّفوذ. وفق القراءة التّفكيكيّة، لا يكمن التّناقض هنا بين خطابٍ صحيحٍ وممارسةٍ خاطئةٍ فحسب، بل في علاقةٍ تُصبح فيها المفردات النّبيلة شرطًا لإخفاء نقيضها. تُستعمَل الشّرعيّة لتغطية الالتفاف عليها، ويُستدعَى التّوافق لإضعاف القاعدة الدّستوريّة، ويُرفَع شعار حماية السِّلم الأهليّ لتبرير تعطيل المساءلة. هذه المُناوَرَة تُفسد الوظيفة الأصليّة للّغة السّياسيّة. بدل أن تكون وسيلةً للإفصاح عن الالتزامات، تتحوّل إلى أداةٍ لإدارة الانطباعات. بدل أن يتيح الخطاب للمواطن / ة تقييم السّلطة، يصبح وسيلةً لإرباك قدرته على التّمييز بين الحقيقة والتّضليل. عندئذٍ لا تعود أزمة لبنان أزمة قراراتٍ فحسب، بل أزمة صدقيّةٍ ومعنى.
المُقايَضَة - الخصخصة: تبلغ الذّهنيّة الموبوءة ذروتها حين تتحوّل المُقايَضَة من أداةٍ مشروعةٍ للتّفاوض حول الخيارات السّياساتيّة إلى منهجٍ لتوزيع الحقوق الدّستوريّة والوظائف العامّة والقرارات السّياديّة. التّسوية في الأنظمة الدّيموقراطيّة قد تكون ضرورةً لإدارة التّعدّديّة، لكنّها تفقد مشروعيتها عندما يصبح موضوعها ما لا يجوز إخضاعه للمساومة أصلًا. لا يمكن مقايضة استقلال القضاء باستقرار الحكومة، أو انتظام المؤسّسات بحصص التّعيينات، أو وحدة القرار السّياديّ بضمانات النّفوذ، أو الحقوق الأساسيّة للمواطنين / ات بتوازنات القوى. هذه ليست مصالح قابلةً للتّبادل، بل أسسٌ معياريّةٌ تقوم عليها الدّولة الدّستوريّة. تقوم سيكولوجيا المُقايَضَة على تحويل المجال العامّ إلى سوقٍ مغلقةٍ، يُعاد فيها تعريف الحقّ باعتباره امتيازًا، والواجب باعتباره تنازلًا، والوظيفة باعتبارها حصّةً، والمساءلة باعتبارها تهديدًا للتّوازن. بذلك تنتقل السّلطة من تمثيل المصلحة العامّة إلى التّفاوض عليها، وكأنّها ملكيّةٌ خاصّةٌ للأطراف المتحكّمة بها. تُنتج هذه البنية فسادًا يتجاوز الرّشوة والمحسوبيّة إلى ما يمكن وصفه بالفساد التّأسيسيّ للحوكمة. المشكلة لا تعود محصورةً بانحرافٍ داخل المؤسّسات، بل تصبح المؤسّسات نفسها خاضعةً لمنطقٍ يُعيد تعريف وظائفها وفق مقتضيات المُقايَضَة. حين يتكرّس هذا المنطق، يصبح الإصلاح تهديدًا وجوديًّا للمنظومة، لأنّه ينقل الموارد والصّلاحيّات من دائرة التّبادل الخاصّ إلى دائرة القانون العامّ. لذلك تقاوم الشّبكات المستفيدة الإصلاح، لا بالضّرورة عبر رفضه العلنيّ، بل عبر احتوائه وتجزئته وإفراغه من آليّات التّنفيذ والمحاسبة.
الإلزام والإستثناء: يكشف تفكيك الثّلاثيّة عن خللٍ أعمق في العلاقة بين الدّستور والسّلطة. الدّستور اللّبنانيّ يحدّد الأصول العامّة لانتظام السّلطات، ويربط ممارسة الصّلاحيّات بموجباتٍ قانونيّةٍ ومؤسّساتيّةٍ واضحة. لكنّ الممارسة السّياسيّة أضافت إلى النّصّ طبقةً من الأعراف والتّفسيرات والتّوازنات التي تُستدعَى أحيانًا لتقييد أحكامه أو تعطيلها. يتجلّى التّناقض حين تتحوّل الاستثناءات إلى قواعدٍ غير مكتوبةٍ، ويُقدَّم تجاوز المؤسّسات باعتباره احترامًا للتّوازنات. فالمسألة لا تتعلّق بوجود تعدّديّةٍ سياسيّةٍ وطائفيّةٍ تستوجب الحوار، بل بتحويل هذه التّعدّديّة إلى حقٍّ دائمٍ في تعطيل الدّولة. من هنا تبرز ضرورة التّمييز بين التّوافق الدّستوريّ والتّوافق الفوق دستوريّ. الأوّل يُمارَس ضمن المؤسّسات ووفق قواعدها، والثّاني قد يُستعمَل لفرض شروطٍ على ممارسة الصّلاحيّات تتجاوز النّصّ وتُضعف قابليّته للتّنفيذ. تكشف المقاربة التّفكيكيّة أنّ أخطر ما يصيب الدّستور هو الإبقاء على هيبته الرّمزيّة مع تجريده من قوّته الإلزاميّة. عندما يصبح احترام النّصّ مشروطًا بموافقة من يُفترض أن يخضعوا له، تنقلب العلاقة بين السّلطة والقانون، ويغدو القانون تابعًا لإرادة السّلطة بدل أن يكون ضابطًا لها. إنّ استعادة الدّستور لا تتحقّق بتكثيف الاستشهاد بمواده، بل بإعادة بناء شروط نفاذه، واستقلال المؤسّسات المكلّفة بحمايته، وترسيخ مبدأ أنّ الشّرعيّة ليست تفويضًا مفتوحًا، بل مسؤوليّةٌ محدّدةٌ بالقانون وقابلةٌ للمساءلة.
مؤجَّلة ومُعلَّقة: تكتسب الثّلاثيّة الموبوءة خطورةً مضاعفةً عندما تنتقل من إدارة الخلافات الدّاخليّة إلى تقرير مصير السّيادة والأمن القوميّ. الدّولة التي تتريّث في ممارسة سلطتها، وتناور في تحديد مسؤوليّاتها، وتقايض على صلاحيّاتها، تُنتج فراغًا استراتيجيًّا تتقدّم لملئه قوى غير دولتيّةٍ أو تأثيراتٌ خارجيّة. السّيادة هنا ليست شعارًا وجدانيًّا، بل قدرةٌ مؤسّساتيّةٌ على احتكار القوّة المشروعة، واتّخاذ قرارات الحرب والسّلم، وإدارة العلاقات الخارجيّة، وحماية الحدود، وصون الحقوق، وتوفير الأمن الإنسانيّ. كلّ اختلالٍ في هذه الوظائف يُضعف قدرة الجمهوريّة على حماية مصالحها الوطنيّة. يُختزَل النّقاش في لبنان أحيانًا في موازين القوى، بينما تُهمَّش المسألة الأهم: مَن يملك الحقّ الدّستوريّ في القرار؟ ومَن يتحمّل مسؤوليّة نتائجه؟ وكيف تُصان وحدة المرجعيّة الشّرعيّة؟ إنّ التريُّث في استعادة وحدة القرار، والمُناوَرَة في تعريف السّيادة، والمُقايَضَة على مقتضياتها، لا تُنتج استقرارًا مستدامًا، بل تُراكم هشاشةً قد تبدو قابلةً للإدارة في المدى القصير، قبل أن تتحوّل إلى انكشافٍ وطنيٍّ شامل. هنا يصبح الأمن القوميّ اختبارًا للاستقامة المؤسّساتيّة، لأنّه يتطلّب تطابقًا بين الشّرعيّة الدّستوريّة والقدرة التّنفيذيّة والمسؤوليّة السّياسيّة. الدّولة التي لا تستطيع تحويل شرعيّتها إلى فاعليّةٍ تبقى معرّضةً للاهتزاز، مهما تكاثرت بيانات الالتزام بسيادتها.
الخضوع - الجلّاد: يكتمل التّفكيك حين تنتقل المساءلة من السّلطة إلى المجتمع الذي يشارك، بدرجاتٍ متفاوتةٍ، في إعادة إنتاجها. المواطن / اللّبنانيّ / ة ليس مجرّد متلقٍّ سلبيٍّ لنتائج الحوكمة المأزومة، وإن كان يتحمّل القسم الأكبر من أكلافها. إنّه يتحرّك داخل منظومةٍ معقّدةٍ من الخوف والحاجة والانتماء والولاء، وقد يجد نفسه مضطرًّا إلى طلب الحماية ممّن يساهمون في إنتاج أسباب انكشافه. تتجلّى المفارقة الأكثر إيلامًا في ما يمكن تسميته "الخضوع المتباهي"، حيث يتحوّل الولاء للسّلطة التي تُنتج المعاناة إلى مصدرٍ للاعتزاز الهويّاتيّ، ويصبح الدّفاع عن الزّعيم تعويضًا نفسيًّا عن العجز أمام الدّولة. هنا لا يُنكَر الألم، بل يُعاد تفسيره بوصفه تضحيةً ضروريّةً لحماية الجماعة، أو ثمنًا لا بدّ منه في مواجهة خطرٍ دائمٍ يُعاد إنتاج صورته كلّما اهتزّت شرعيّة المتحكّمين بمصيرها. تستند هذه الآليّة إلى تداخل الخوف بالمصلحة، والذّاكرة الجماعيّة بالحاجة إلى الأمان، والانتماء الطّائفيّ أو الحزبيّ بالبحث عن الاعتراف. وحين يعجز المواطن / ة عن الوصول إلى حقوقه عبر مؤسّساتٍ عادلةٍ، يتوجّه إلى شبكات الوساطة التي تمنحه جزءًا ممّا حُرم منه، ثمّ يُطالَب بالامتنان لمن أعاد إليه حقًّا كان ينبغي ألّا يُسلَب أصلًا. بهذه الطّريقة، تتشكّل علاقةٌ سيكولوجيّةٌ ملتبسةٌ بين الضّحيّة ومنظومة إخضاعها. الخضوع لا يعود مجرّد استجابةٍ للخوف، بل قد يتحوّل إلى اختيارٍ دفاعيٍّ يوفّر شعورًا زائفًا بالقوّة والانتماء. ويُصبح نقد الزّعيم تهديدًا لصورة الذّات، لأنّ الاعتراف بفشله يقتضي الاعتراف بأنّ سنواتٍ من الولاء والتّبرير قد ساهمت في إطالة عمر المعاناة. غير أنّ تفكيك هذه العلاقة لا يبرّر المساواة بين مسؤوليّة الحاكم ومسؤوليّة المحكوم. فالمواطن / ة الذي أنهكته الأزمات، واستُنزفت موارده، وضاقت أمامه خيارات العيش الكريم، لا يمتلك القدرة نفسها التي تمتلكها شبكات السّلطة على توجيه القرارات وتوزيع الموارد. لكنّ هذه الحقيقة لا تُلغي المسؤوليّة الأخلاقيّة والسّياسيّة عن استمرار منح الشّرعيّة لمن يحوّلون الحقوق إلى مِنَحٍ، والمواطنة إلى تبعيّةٍ، والكرامة إلى امتيازٍ مشروط. إنّ أكثر ما يوجع في التّجربة اللّبنانيّة أنّ شعبًا يمتلك رصيدًا استثنائيًّا من المبادرة والثّقافة والقدرة على التّكيّف، ساهم جزءٌ منه في نحت منظومة وجعه، ثمّ وقف أمامها متباهيًا بولائه لجلّاديه. هذه ليست إدانةً جماعيّةً لشعبٍ متألّم، بل دعوةٌ إلى مساءلة البنية النّفسيّة التي تجعل الإنسان يدافع عمّن يصادر مستقبله، ويخشى التّحرّر من سلطةٍ تُضعفه لأنّه اعتاد اعتبارها مصدر أمانه.
تفكيك وإعادة إنتاج: تفرض هذه القراءة إعادة النّظر في مفهوم الإصلاح نفسه. الإصلاح الذي يقتصر على تعديل الإجراءات، أو تحديث الإدارة، أو استحداث الهيئات، من دون تفكيك الذّهنيّة المتحكّمة بوظائفها، قد ينتهي إلى منح المنظومة أدواتٍ أكثر حداثةً لإعادة إنتاج ممارساتها القديمة. ليست المشكلة في افتقار لبنان إلى المقترحات والخطط والتّشريعات فحسب، بل في غياب الإرادة المؤسّساتيّة القادرة على تحرير هذه الأدوات من منطق التريُّث والمُناوَرَة والمُقايَضَة. كلّ مشروعٍ إصلاحيٍّ يمكن احتواؤه إذا بقي القرار بشأن تنفيذه خاضعًا للمستفيدين من تعطيله، وكلّ هيئةٍ رقابيّةٍ يمكن إضعافها إذا تحوّلت استقلاليّتها إلى موضوعٍ للتّفاوض، وكلّ قانونٍ يمكن تفريغه من مفاعيله إذا غابت المحاسبة على عدم تطبيقه. من هنا، ينبغي أن ينتقل الإصلاح من معالجة نتائج الاختلال إلى تفكيك شروط إنتاجه. وهذا يقتضي إعادة الاعتبار إلى وضوح الصّلاحيّات، وشفافيّة القرار، واستقلال القضاء، والمساءلة الفعليّة، والكفاءة في التّعيينات، وربط المسؤوليّة بالنّتائج. كما يقتضي تحرير الإدارة من ثقافة الاسترضاء، وتحويل الوظيفة العامّة من موقعٍ لتوزيع الولاءات إلى مسؤوليّةٍ لخدمة المواطنين / ات. تستدعي المقاربة التّفكيكيّة، في هذا السّياق، مُساءَلة اللّغة الإصلاحيّة نفسها. فما قيمة الحديث عن الشّفافيّة حين تُدار التّسويات خارج المؤسّسات؟ وما جدوى الدّعوة إلى الحوكمة الرّشيدة حين تبقى المحاسبة انتقائيّةً؟ وكيف يمكن بناء الثّقة العامّة إذا كان الالتزام بالقانون يُقدَّم بوصفه تنازلًا سياسيًّا لا واجبًا دستوريًّا؟ إنّ الإصلاح الحقيقيّ يبدأ عندما تفقد المنظومة قدرتها على تحويل الواجب إلى مِنّةٍ، والاستثناء إلى قاعدةٍ، والتّعطيل إلى وسيلةٍ للتّفاوض. عندما تصبح المؤسّسات قادرةً على العمل بمعزلٍ عن أهواء الأشخاص، يمكن الحديث عن انتقالٍ فعليٍّ من إدارة الأزمة إلى بناء الدّولة.
القيادة المتحرّرة: يصل التّفكيك إلى حدوده العمليّة عندما يكشف الاختلال من دون أن يتحوّل إلى إرادةٍ لتجاوزه. لبنان يحتاج إلى أكثر من تشخيصٍ متقدّمٍ لأزماته، وإلى أكثر من توافقٍ لفظيٍّ على الإصلاح. إنّه يحتاج إلى قيادةٍ تمتلك الشّجاعة الأخلاقيّة والقدرة المؤسّساتيّة على القطع مع الذّهنيّة التي جعلت الدّولة رهينة الانتظار، والسّيادة موضوعًا للمُناوَرَة، والمصلحة العامّة سلعةً للمُقايَضَة. القيادة المطلوبة ليست قيادةً متحرّرةً من الدّستور والقانون والرّقابة، بل متحرّرةً من القيود التي تُخضع القرار العامّ للولاءات الخاصّ، والحسابات الفئويّة، والضّغوط الخارجيّة، والخوف من خسارة المواقع والامتيازات. هي قيادةٌ لا تستمدّ قوّتها من قدرتها على إخضاع المؤسّسات، بل من قدرتها على تمكينها؛ ولا تقيس نجاحها بمدى استمرارها في السّلطة، بل بمدى قدرتها على جعل الدّولة أكثر استقلالًا عن الأشخاص. تحتاج هذه القيادة إلى مصالحةٍ بين الأخلاق والسّياسة، بحيث لا يُختزَل الخير العامّ في خطابٍ مثاليٍّ منفصلٍ عن الواقع، بل يتحوّل إلى معيارٍ عمليٍّ لتحديد الأولويّات وتوزيع الموارد واتّخاذ القرارات. كما تحتاج إلى فهمٍ شاملٍ للأمن القوميّ اللّبنانيّ، يربط وحدة القرار السّياديّ بسلامة المؤسّسات، والاستقرار الدّستوريّ بالعدالة الاجتماعيّة، والقدرة الدّفاعيّة بالأمن الاقتصاديّ والإنسانيّ. الإنسان الذي يخشى المرض لأنّه عاجزٌ عن تأمين العلاج، أو يخاف الشّيخوخة لأنّه فقد مدّخراته، أو يهاجر لأنّه لا يرى مستقبلًا لأبنائه، لا يعيش أزمةً اجتماعيّةً منفصلةً عن الأمن القوميّ. إنّه يعيش نتائج انهيار القدرة الحمائيّة للدّولة. من هنا، يصبح الأمان الإنسانيّ معيارًا جوهريًّا لنجاح القيادة، لا ملفًّا ثانويًّا يُعالَج بعد إنجاز التّسويات السّياسيّة. القيادة المتحرّرة هي التي تجرؤ على قول الحقيقة من دون استثمار الخوف، وعلى اتّخاذ القرار من دون انتظار رضا المستفيدين من تعطيله، وعلى بناء التّوافق حول المبادئ بدل المُقايَضَة عليها. إنّها قيادةٌ تعرف أنّ الحسم الدّستوريّ ليس نقيضًا للحوار، وأنّ العدالة ليست تهديدًا للسِّلم الأهليّ، وأنّ السّيادة لا تتعارض مع الانفتاح، وأنّ حماية التّعدّديّة تقتضي دولةً عادلةً لا سلطاتٍ متعدّدةً داخل الدّولة.
تفكيك وتحرير: تُفضي القراءة التّفكيكيّة إلى حقيقةٍ تتجاوز الأشخاص والأحزاب والطّوائف. إنّ الأزمة اللّبنانيّة تكمن، في أحد أعمق مستوياتها، في نظامٍ لإنتاج المعاني والسّلوكيّات يجعل الانحراف قابلًا للتّبرير، والعجز قابلًا للتّسويق، والتّبعيّة قابلةً للاعتزاز. ومن دون تفكيك هذا النّظام، ستبقى التّغييرات السّياسيّة معرّضةً لأن تتحوّل إلى تبديلٍ في الوجوه داخل البنية نفسها. ليس المطلوب إلغاء التريُّث بوصفه حكمةً، أو المُناوَرَة بوصفها مهارةً تفاوضيّةً ضمن حدود الشّرعيّة، أو المُقايَضَة بوصفها تسويةً بين خياراتٍ مشروعة. المطلوب منع هذه الأدوات من التّحوّل إلى بدائل عن الدّستور والسّيادة والعدالة. حين يتعلّق الأمر بحقوق المواطنين / ات، ووحدة الدّولة، واستقلال القضاء، وحصريّة القوّة المشروعة، لا يجوز أن تكون القاعدة الدّستوريّة موضوعًا للتّبادل أو التّعليق. يحتاج المجتمع، بالتّوازي، إلى تحرير وعيه من العلاقة المَرَضيّة مع السّلطة. الانتقال من الرّعيّة إلى المواطنة لا يتحقّق بمجرّد تبديل الخطاب، بل باستعادة القدرة على مساءلة من يحكم، ورفض تحويل الحاجة إلى وسيلةٍ للإخضاع، وإدراك أنّ الولاء للجمهوريّة أسمى من الولاء للأشخاص. وحين يتوقّف المواطن / ة عن التّباهي بقربه من صاحب النّفوذ، ويبدأ بالاعتزاز بقدرته على محاسبته، تنشأ البذرة الحقيقيّة للتّحوّل الدّيموقراطيّ. لقد دفع اللّبنانيّون / ات أثمانًا باهظةً من أمنهم واستقرارهم ومدّخراتهم وأحلامهم، حتّى بات استمرار الذّهنيّة نفسها تهديدًا لمستقبل الجمهوريّة. لم يعد كافيًا أن تتغيّر موازين القوى إذا بقيت القواعد النّفسيّة والمؤسّساتيّة لإنتاج السّلطة على حالها. فالتّحوّل المطلوب ليس انتقالًا من غلبةٍ إلى غلبةٍ مضادّة، بل من ثقافة امتلاك الدّولة إلى ثقافة الخضوع لأحكامها. هنا تتبدّى المسؤوليّة التّاريخيّة للقيادة المرتجاة: أن تُنهي زمن التريُّث حين يكون القرار واجبًا، وتُسقط المُناوَرَة حين تكون الحقيقة مسؤوليّةً، وترفض المُقايَضَة حين تكون السّيادة والكرامة والعدالة على المحكّ. قيادةٌ متحرّرةٌ من كلّ القيود التي تُفسد الإرادة العامّة، ولا يضبط خياراتها إلّا الخير العامّ، والأمن القوميّ اللّبنانيّ، والأمان الإنسانيّ لشعبٍ يستحقّ الخروج من دوّامة ألمه. لا تُبنى الدّولة بعقلٍ يتريّث أمام الواجب، ويُناور على الحقيقة، ويُقايض على الحقّ. تُبنى بإرادةٍ تعرف أنّ الدّستور عهدٌ لا ورقة تفاوض، وأنّ السّيادة مسؤوليّةٌ لا حصّة نفوذ، وأنّ الإصلاح فعلٌ لا وعد، وأنّ الإنسان غاية السّلطة لا وقود استمرارها. عند هذا الحدّ الفاصل بين الذّهنيّة الموبوءة والإرادة المتحرّرة، تتحدّد إمكانيّة لبنان في أن يستعيد ذاته: جمهوريّةً دستوريّةً سيّدةً، ودولةً عادلةً فاعلةً، ووطنًا لا يحتاج فيه الإنسان إلى جلّادٍ كي يشعر بالأمان!
أخبار ذات صلة
سياسةتعطّل دائرة النفوس في النبطية: معاناة المواطنين وتكاليف مضاعفة في ظل غياب الخدمات الأساسية
سياسةتهديدات إسرائيلية متصاعدة وسط تحديات داخلية: لبنان بين مطرقة الحرب وسندان الأزمات
سياسةلبنان تحت التهديد الإسرائيلي: حرب الرهائن وغياب الضمانات تزيد المخاوف الإقليمية
سياسة
