مطار بيروت: مفارقة العتمة في ظل الإيرادات المرتفعة وفواتير الكهرباء المتراكمة


هذا الخبر بعنوان "مطار بيروت... حين تعجزُ الإيراداتُ عن إنارةِ بوّابةِ الوطن" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعدّ المفارقة صارخةً حين يتحوّل مطارٌ دولي، يُفترض أن يكون واجهة الوطن الحضارية أمام العالم، إلى مرفقٍ يهدده الانقطاع الكهربائي وتتراكم عليه فواتير الكهرباء، على الرغم من إيراداته المرتفعة ورسومه الباهظة المفروضة على المسافرين. هذا هو حال مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، الذي يواجه أزمة كهرباء رغم كونه شرياناً اقتصادياً وسياحياً حيوياً يحقق إيرادات بمئات ملايين الدولارات.
تتجلى هذه المفارقة اللبنانية بامتياز في مطار يستقبل آلاف المسافرين يومياً، ومع ذلك يجد نفسه أمام أزمة كهرباء. الأمر لا يتعلق فقط بالعجز عن سداد فاتورة، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول إدارة المال العام والمسافة بين ما تجبيه الدولة وما تستطيع تأمينه من خدمات.
في أواخر تشرين الأول 2026، انقطعت الكهرباء عن المطار لساعات، مما اضطر إدارته للاعتماد على المولدات الاحتياطية. وأفادت رئاسة المطار أنها أجرت مراجعات مع مؤسسة كهرباء لبنان لمعرفة أسباب الانقطاع. من جهتها، عزت المؤسسة الانقطاع إلى عطل في أنظمة الاتصالات. لكن تزامن الحادثة مع إعلان مؤسسة كهرباء لبنان عزمها قطع التيار عن المؤسسات المتخلفة عن السداد، أعاد إلى الواجهة ملف المتأخرات المالية على المطار، والتي أشارت تقارير إلى بلوغها نحو 22.8 مليون دولار.
تتساءل التقارير: كيف لمرفق يحقق إيرادات مرتفعة أن يعجز عن سداد فواتير الكهرباء؟ بحسب المدير العام للمطار محمد شاتيلا، بلغت إيرادات المطار حوالي 330 مليون دولار عام 2025. إلا أن هذه الإيرادات تُحوّل مباشرة إلى الخزينة العامة، وتتولى وزارة المال تسديد الفواتير. هذا يعني أن إدارة المطار لا تملك حرية التصرف المباشر بإيراداتها لتغطية نفقاتها التشغيلية، رغم مسؤوليتها عن ضمان استمرارية العمل. تكمن المشكلة في فجوة بين الصلاحية والمسؤولية، حيث تُجبى الإيرادات باسم المرفق، وتقع الالتزامات عليه، بينما تتوزع آلية الإنفاق بين جهات إدارية متعددة.
تزداد المفارقة وضوحاً مع تقدير فاتورة الكهرباء بنحو مليون دولار شهرياً (حوالي 12 مليون دولار سنوياً)، في حين أشارت المعلومات إلى رصد اعتمادات أقل في موازنة عام 2026. هذا التفاوت يستدعي مراجعة الاعتمادات المالية على أساس الاستهلاك الفعلي لتجنب تراكم الديون.
رسوم السفر المرتفعة تطرح سؤالاً عن حق المسافر في الحصول على خدمات تتناسب مع ما ينفقه. مع ذلك، يجب التمييز بين الرسوم التي تعود للمطار والضرائب والبدلات التي تستوفيها جهات أخرى وأسعار التذاكر التي تحددها شركات الطيران. فليس كل ما يدفعه المسافر يعود لإدارة المطار، لكن من حقه معرفة أوجه إنفاق الأموال التي تُجبى باسم المرافق العامة.
خطورة الأزمة لا تكمن في انقطاع الكهرباء لساعات، بل في احتمال تكرارها. فالمطار ليس مجرد مبنى إداري، بل منظومة متكاملة ترتبط بسلامة الطيران والاتصالات والمراقبة والإضاءة وحركة المسافرين والأمتعة. المولدات الاحتياطية ليست بديلاً دائماً، وتشغيلها يرفع الكلفة ويزيد الضغط على التجهيزات. أي اضطراب متكرر في عمل المطار يمتد أثره إلى قطاعات أخرى كشركات الطيران والسياحة والفنادق والتجارة، فضلاً عن صورة لبنان أمام العالم.
تتداخل في هذه الأزمة أسباب متعددة، أبرزها ضعف التنسيق المالي بين وزارتي المال والأشغال العامة والنقل ومؤسسة كهرباء لبنان وإدارة المطار، وتحويل الإيرادات إلى الخزينة دون ضمان تدفقات منتظمة لتغطية نفقات التشغيل، وعدم مواءمة الاعتمادات مع الكلفة الفعلية، واستمرار أزمة الكهرباء الوطنية.
المعالجة تتطلب خطوات عملية واضحة: أولاً، تسوية المتأخرات المستحقة لمؤسسة كهرباء لبنان. ثانياً، وضع آلية قانونية لتخصيص جزء منتظم من إيرادات المطار لنفقاته التشغيلية الأساسية تحت رقابة مالية شفافة. ثالثاً، مراجعة الموازنات وفق الاستهلاك الفعلي مع اعتماد احتياطي للطوارئ. رابعاً، الاستثمار في الطاقة الشمسية وأنظمة التخزين لتقليل الاعتماد على الشبكة العامة وخفض النفقات. خامساً، نشر تقارير دورية عن الإيرادات والرسوم والنفقات والمتأخرات لتوضيح كيفية إدارة الأموال للرأي العام.
ما حدث في مطار بيروت يتجاوز أزمة الكهرباء إلى سؤال جوهري عن إدارة المرافق العامة: هل يعقل أن تجبى الإيرادات من جهة، وتعجز الجهة المسؤولة عن التشغيل عن تأمين نفقاتها الأساسية؟ هل يجوز أن تبقى استمرارية مرفق حيوي رهينة تأخر التحويلات والتجاذبات الإدارية؟ المطلوب هو وضع كل جهة أمام مسؤوليتها، وتأمين التوازن بين الإيرادات والنفقات، والصلاحيات والواجبات. الإدارة الرشيدة لا تقاس بما تجبيه المؤسسات فحسب، بل بقدرتها على تحويل ما تجبيه إلى خدمة عامة مستدامة. مطار رفيق الحريري الدولي ليس مجرد محطة عبور، بل واجهة لبنان ومرآة انتظام مؤسساته. وحين تنطفئ أنواره بسبب فواتير غير مسددة، لا تكون العتمة في صالاته ومدرجاته وحدها، بل في الرؤية الإدارية التي لم تستطع الربط بين ما تجبيه الدولة وما تلتزم تأمينه. فما معنى إيرادات لا تستطيع حماية المرفق الذي يحققها؟ وما هي الصورة التي يحملها لبنان للعالم حين يدفع المسافر كلفة عبوره، وتعجز الدولة عن ضمان إنارة بوابته؟
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد