لبنان في مهب الريح الإقليمية: بين الانتظار القلق ومسؤولية الفعل


هذا الخبر بعنوان "الانتظار الثقيل" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يسود لبنان والمنطقة والعالم مناخ من التوجّس والقلق، في مرحلة ثقيلة لا تشبه ما يسبق حدثاً معروفاً، بل هي مرحلة تُعلّق الحياة على احتمالات مفتوحة، وتترك الناس أسرى أسئلة بلا أجوبة. يتساءل الكثيرون عن مصير المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية، وهل تتجه الأمور نحو حرب جديدة أم تسوية كبرى تعيد رسم التوازنات الإقليمية؟ وما هي تداعيات أي من الاحتمالين على الجماعات المرتبطة بإيران في اليمن والعراق ولبنان، وعلى مستقبل المنطقة برمّتها؟
إنّ ما يجري يتجاوز حدود السياسة والاستراتيجيا. فحين تتشابك المصالح الدولية والإقليمية، وتصبح قرارات الحرب والسلم مرتبطة بحسابات عواصم كبرى، يشعر المواطنون والدول الواقعة على خطوط التماس بأنّ مصائرهم قد تكون مرتبطة بقرارات لا يشاركون في صنعها. في هذه الأجواء، يتحوّل الانتظار إلى واقع نفسي واجتماعي. فالإنسان يستطيع احتمال الصعوبات حين يعرف وجهته، لكنّ المستقبل الغامض وتعدّد الفرضيات دون استقرار أيّ منها يجعل الخوف جزءاً من الحياة اليومية. يرتبط هذا النوع من الغموض بقلق عدم اليقين، الذي يستنزف الإنسان ليس فقط بالحدث نفسه، بل أيضاً بتأهّبه المستمرّ ومحاولته استباق ما لا يستطيع التحكّم فيه.
ولعلّ الأخطر هو أن يصبح الاستسلام للمجهول ثقافة وسلوكاً عاماً، وأن يُصبح إرجاء المسؤوليات إلى حين اتّضاح الأحداث الخارجية أمراً مألوفاً. هذا يؤدي إلى تراجع المبادرة، وتقلّص القدرة على التخطيط، واعتياد المجتمع على العيش على إيقاع ما قد يحدث بدلاً من التركيز على ما يمكن فعله.
في لبنان، يبدو هذا الواقع أكثر وطأة. فالبلد الذي أنهكته الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وأثقلت كاهله الحروب، يجد نفسه مجدداً أمام استحقاقات إقليمية كبرى قد تنعكس على أمنه واستقراره. وليس مستغرباً أن يبقى اللبنانيون مقيّدين بما ستؤول إليه الأحداث، وأن يراقبوا احتمالات التصعيد أو التسوية، ويحاولوا استشراف موقع بلدهم في أيّ ترتيبات مقبلة. لكن هذا الانتظار لا يعفي الحكومة من مسؤولياتها، ولا يمنح مؤسّسات الدولة حقّ ترحيل عملها. فهناك أمور لا تتطلب تسوية دولية أو اتفاقاً بين واشنطن وطهران أو تفاهمات بين القوى الإقليمية. هناك اقتصاد يحتاج إلى إدارة، وناس يحتاجون إلى حماية اجتماعية، وعائلات تحتاج إلى مقوّمات العيش، وقطاعات إنتاجية تحتاج إلى قرارات وإجراءات تعيد إليها القدرة على الاستمرار.
هنا تحديداً، لا ضرورة للانتظار. كلّها مسؤوليات وطنية قائمة بذاتها، ولا يجوز أن تصبح رهينة ما إذا كانت المنطقة ذاهبة إلى حرب أو سلام. لا ينبغي أن يدفع المواطن ثمن الشلل مرّتين: مرّة بسبب ما يجري حوله، ومرّة بسبب ما لا يجري في بلده.
وثمّة وجه آخر لهذا الترقّب، يتمثّل في رهان البعض على لحظة انتصار نهائي. هذه الذهنية، وإن كانت قابلة للتفسير في سياق الصراعات التي تتغذّى من الرغبة في الثأر، إلا أنها لا تصلح أساساً لبناء وطن. ففي لبنان، لا ينبغي أن يكون هناك عدو بين اللبنانيين. هناك اختلافات سياسية وتباينات في الرؤى ومخاوف متبادلة، لكن تحويل ذلك إلى عداوة وجودية يجعل فكرة الوطن مستحيلة، ويحوّل كلّ تسوية إلى هزيمة، وكلّ تنازل إلى خيانة.
الأوطان تُبنى حين يدرك مواطنوها أنّ مصيرهم المشترك أكبر من انتصاراتهم المتفرّقة، وأنّ الدولة ليست غنيمة لمن ينتصر، بل إطار يحمي الجميع ويضمن حقوقهم. الدلالة الأعمق لهذه المرحلة هي أنّ ما يجري في المنطقة، مهما بلغت تداعياته، لا يجوز أن يعطّل قدرتنا على الفعل. فبينما نترقّب ما قد تحمله التطوّرات، يبقى أمامنا الكثير ممّا يمكن إنجازه من عمل وإصلاح ومبادرة، بدلاً من ترك الزمن يمضي بنا وتتراكم الأزمات. التريّث قد يكون فرصة للتأمّل وإعادة ترتيب الأولويات، لكنّه يصبح خطيراً حين يتحوّل إلى ذريعة للعجز أو وسيلة للهروب من المسؤولية.
قد تأتي التسوية الكبرى، وقد تتجدّد المواجهة، وقد تحمل الأيام مفاجآت. لكنّ لبنان لا يستطيع أن يربط مصيره بما ستؤول إليه المواجهات الإقليمية، ولا أن يختصر تاريخه ومستقبله في نتيجة صراع لا يملك مفاتيحه. فالانتظار الثقيل قد يطول، أمّا مسؤولية الحياة فلا تنتظر. وبين ما لا نملك تقريره وما نستطيع فعله، ينبغي أن نعرف أين نضع وقتنا وجهدنا وإرادتنا. تلك هي المسافة الفاصلة بين مجتمع ينتظر مصيره، ومجتمع يحاول أن يصنعه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة