لبنان
منوعات

الثعلب الوهمي: درس في الكبرياء والتواضع من قلب الطبيعة

النهار٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٤ ص0 مشاهدة
الثعلب الوهمي: درس في الكبرياء والتواضع من قلب الطبيعة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بين الكبرياء والاستكبار" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

خرج الثعلب من جحره، متخليًا عن عباءة الليل ليحتضن نور النهار. وقف يتأمل السهل الممتد أمامه، متمنيًا فجرًا جديدًا وصيدًا يزيح عنه شبح الجوع. كانت الشمس تنسج خيوطها الذهبية، كطرحة عروس نسجتها أمها في الليل، تحلم بلقاء خطيبها القمر، عسى أن يلتقيا ويفرحا. في غفلة من الثعلب، تسللت أشعة الشمس وامتد ظله على السهل. نظر إليه، فاستبد به شعور بالفخر والقوة والعظمة. لمح أرنبًا بريًا في متناول يده، لكنه تراجع، متسائلاً: هل يليق بثعلب عظيم أن يطارد فريسة متواضعة كهذه؟ أليست الشمس تبحث عن القمر، ندها في العظمة والمقام؟

مضى النهار، وبدأ ظل الثعلب يتقلص، بينما وهم العظمة يتمدد في داخله. أبى أن ينحني لحاجته، أو أن يمد مخالبه إلى فريسة لا تليق بمقامه في نظره. حتى انتصفت الشمس في كبد السماء، وانحسر ظله تحت قدميه. عندها، بدأت مسامير الجوع تغرز في معدته، والألم ينهش أحشاءه. أعاده الجوع إلى واقعه، فراح يبحث عن فريسة تسد رمقه. لكن الفئران كانت قد أوَت إلى جحورها اتقاءً للحر. عاد إلى جحره يجر أذيال خيبته، وبكى حتى مات جوعًا.

أيها الثعلب المحتال، لم تعجز يومًا عن اصطياد فريسة تسد بها جوعك. لكن، حين اجتاحك وهم العظمة، لم تعد فأرة تنقذك من الموت جوعًا. فضحت الشمس وهمك، وصرت أضحوكة تتناقل أخبارها حيوانات السهل في سهراتها على ضوء القمر. المستكبر يعيش خارج الزمن، لا يتعظ من دروس ماضيه، ولا يتبصر في مستقبله. لا يعيد قراءة تاريخه، ولا يراجع حساباته، ولا يرى في خسائره ما يدعوه إلى التراجع. يعيش أسير يومه، تحكمه أوهام لا تبددها مراجعة، ولا تصححها رؤية. شعاره: أنا حي، إذن أنا منتصر! وإن كلّفه انتصاره قتلى ودمارًا وتشريدًا، فلا بأس؛ ما دام باقياً، فهذه خسائر آنية يمكن تعويضها. المنازل تُبنى، والطرقات تُفتح، والحقول تُزرع من جديد... أما الموتى! والوطن شمسٌ تعري الخداع، وتنزع عن صاحبه ثوب التقوى الذي يتستر به. أما ثياب الوطن، فالكبرياء والتواضع والشراكة والاحتضان: كبرياءٌ يصون الكرامة ولا يستعلي، وتواضعٌ يعترف بالآخر ولا ينتقص من الذات، وشراكةٌ تحفظ الحقوق، واحتضانٌ لا يستثني أحدًا. إنه شمسٌ لا لتحرق، بل لتكشف لأبنائها سبل النور والسلامة. وتبقى الشمس تشرق، لا تسأل من انتصر، بل ماذا بقي حيًا في ظل انتصاره؟

شارك الخبر: