لبنان
سياسة

من المسؤول السوري الذي يهدد بالملاحقة؟ وما علاقة كاتبة إسرائيلية بذلك؟

المدن٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٣٦ م0 مشاهدة
من المسؤول السوري الذي يهدد بالملاحقة؟ وما علاقة كاتبة إسرائيلية بذلك؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "إسرائيلية تطبّل لكاتب سوري ومسؤول يتحسس مسدسه!" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أقدم مسؤول محلي على حذف منشور له على فيسبوك، كان قد كتب فيه: "كلما خرجت على هذه القناة أتحسس مسدّسي"، مرفقاً العبارة بصورة لمذيعة تلفزيون سوريا، نور الهدى مراد، أثناء تغطيتها للعاصفة المطرية والسيول التي ضربت سوريا، ومنها دير الزور التي يتسلم المسؤول المعني فيها منصب "رئيس لجنة الاستجابة الطارئة". ورغم محاولته تبرير ذلك المنشور، بأنه استخدام لقول متداول، إلا أنه لم يعتذر عن أصله النازي الذي ينطوي على الرغبة في محو كل رأي آخر، ولم يعتذر من المذيعة التي وضع صورتها على نحو يوحي باستهدافها شخصياً.

ما أتى به المسؤول ليس بجديد، فالقناة ذاتها تعرّضت في مناسبات عديدة لهجوم من معسكر الموالاة، كلما قدّمت تغطية للوضع السوري لا تروق للموالين، مع أن الخط التحريري لها لا يمكن الزعم بأنه مناوئ للسلطة الجديدة في دمشق، ويسهل بجردة بسيطة لمحتواها إثبات وجود مساحة معتبرة فيه للآراء التي تمثّل السلطة. الذين يهاجمون القناة، ومنابر أخرى شبيهة، لا يناقشون المحتوى الذي يغضبهم، بل يتحاشون مثل هذا النقاش لأنه يؤسس لمشروعية تعدد الآراء، وعدم مواجهتها بمسدسات فعلية أو رمزية.

فيما هو مسدس رمزي، كان أحد المطبّلين الكبار قد كتب على حسابه في فيسبوك قبل مدة ما يلي: "هلا والله! باحثة إسرائيلية.. تطبّل لكاتب سوري.. في موقع لبناني.. على سبيل مساهمتها المشكورة، والإنسانية، في مكافحة آفة (التطبيل) للدولة السورية!". ولا يخفى ما في هذه العبارة من تحريض ضمني باستخدام جنسية تلك الباحثة التي شاركت مقالاً من جريدة "المدن"، لكاتب هذه السطور، على صفحتها. هكذا تُستحضر إسرائيل للتلميح بوجود صلة معها، ولإدانة منبر وكاتب، أما صاحب الاتهام فيكتب بانتظام في جريدة لا يستثير حفيظته فيها التمويلُ نفسه الذي يثير حفيظته في "المدن" أو "تلفزيون سوريا".. وسواهما.

في سياق مشابه، في مواجهة منتقدي بعض التعديلات في المناهج، عمد كتّاب إلى إعلان ثقتهم بالسلطة مهما فعلت، فهي (بحسب ما يقولون) أدرى بما يجب فعله. العلاقة المطروحة من قبل هؤلاء مع السلطة هي عاطفية، وليست سياسية؛ لأن الأخيرة تحتمل من الموالي نفسه تأييد السلطة في السياق العام، وانتقادها في بعض ما تفعل، حرصاً منه عليها. ومن المخيِّب حقاً أن نضطر إلى التذكير بأن العلاقة مع السلطة، في كل مكان وزمان، هي علاقة سياسية؛ ظرفية ونسبية لا تحتمل المطلق. فالثقة التي تُمنح للسلطة يجب أن تكون خاضعة للمراقبة، لا أن تكون ثقة مطلقة.

إن واحداً من أهم شروط المواطنة المعاصرة يكمن في المسؤولية النقدية لموقع المواطن، إذ يُفترض أن التصويت لأي منصب يكون قائماً على تعدد المرشحين واختلاف برامجهم ورؤاهم، ثم تأتي بعد ذلك مراقبة أداء السلطة، فلا يعفيها حتى انتخابها من المساءلة خارج مواسم الاقتراع. مقابل البديهيات السابقة يقفز السؤال النقيض عما يدفع بكتّاب ومثقّفين سوريين إلى قمع تعدد الآراء، وعن استعجالهم تقويض مبدأ أساسي من مبادئ المواطنة لصالح اللون الواحد، أي ما يجوز بلا حرج تسميته بالاستبداد؟ والسؤال يزداد مضاضة مع تأكيدهم على أن السلطة نفسها تقبل بالتعدد والاختلاف!

كان يُفترض لأعداء الأسدية حقاً أن يبتعدوا قدر الإمكان عن شبهة الاقتراب منها، فالعلاقة العاطفية بالسلطة سبق للأسدية أن اختزلتها بكلمة صارت مثار سخرية بعد الثورة، هي "منحبك"، ومنها اشتق وصف "المنحبكجية". والمزايدة على السلطة من جهة أكثر تشدداً سبق أيضاً أن عرفها السوريون من خلال الشبيحة الذي كانوا يزايدون على سلطة الأسد نفسها بدعوتهم إياها إلى مزيد من القمع. هؤلاء كانوا جاهزين أيضاً لمهاجمة أي رأي ناقد لسلطتهم من أي مكان أتى. وقد شاهدنا شيئاً مشابهاً مع صدور أي نقد للسلطة الجديدة من خارج السوريين، فلم يوفّر موالوها أصحابه، بمن فيهم مؤخراً المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك الذي أدلى بتصريحات أكثر واقعية مما دأب عليه.

باستحضار النموذج الأسدي يلزم أن تُسترجع مآلاته، فقد وصل النموذج الأسدي إلى الأفق المسدود، وسبقته إليه أنظمة استبداد عالمية لاقت المصير ذاته. العبرة في أن كمَّ الأفواه لا ينجح إلى الأبد، خصوصاً في زمن انفجار المعلومات، وسرعة وسهولة الحصول عليها. إن استهداف حرية الرأي والاختلاف هو استهداف لأدنى درجات التعبير السياسي، ويضمر انقلاباً تاماً على فكرة الانتقال السياسي في سوريا. ثم إن الاستبداد، لكي يُبنى ويطول عمره، لا بد له من ركائز اقتصادية ومجتمعية، ومقايضات الحريات بتقدمات فيها إغراء ما. واليوم تعجز السلطة عن الإيفاء بالحد الأدنى من مهامها التنموية، إذا لم تحصل على المساعدات من هنا وهناك. هذا الوضع يجب أن يخفف من غلواء الموالين في التعاطي مع أصحاب الرأي من السوريين وسواهم، إلا إذا كانوا يعتقدون أن العالم مفصّل على قياس رغباتهم.

الذين يريدون تغييب أي رأي مخالف لا يفهمون أن المنابر التي يهاجمونها قائمة على التعدد، وأن الكتّاب فيها قد لا يكونون متفقين في مواقفهم إزاء العديد من القضايا، ومنها الموقف من السلطة في سوريا. هم أيضاً لا يريدون أن يفهموا أن هذا التنوع لا يُمارَس كامتياز، وبالطبع ليس خالياً من النواقص، إنما ليست من النوع الذي يتقولون به. أما المزايدة باستخدام "باحثة إسرائيلية"، للنيل من موقع وكاتب، فلها زبائنها حتى إذا صدرت عن أولئك الذين لا يقولون كلمة ضد إسرائيل، وحتى إذا كانت المعنية دائمة النقد لسياسة حكومتها، وكانت (بخلافهم) دائمة النقد لتوغل القوات الإسرائيلية في الجنوب السوري. هذا كله لا يشفع لها بما أنها شاركت مقالاً لكاتب، ووصفته بأنه "...عن مطبّلي السلطة السورية الجديدة الذين لا يرون في تحرير سوريا من استبداد نظام الأسد نقطة انطلاق لإنعاش الحياة السياسية في البلد".

شارك الخبر: