لبنان
اقتصاد

الثقة: العملة الأثمن في عالم المال المتغير باستمرار

النهار٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٢:١٦ م0 مشاهدة
الثقة: العملة الأثمن في عالم المال المتغير باستمرار

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الثقة هي العملة الأهم في عالم المال" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يمكن بناء الثقة بالكلمات وحدها؛ إنها تُبنى بالممارسة والاتساق، وتترسخ عندما تتجلى المبادئ ذاتها في الأسواق الجيدة والصعبة على حد سواء. الثقة هي العملة الأهم في عالم المال. بقلم كاتيا خير، الرئيسة التنفيذية لشركة CFI في لبنان.

على مدى أكثر من عقدين في القطاع المالي، شهدتُ تحولات عديدة في آليات عمل الأسواق، والأدوات المستخدمة، وسلوك المستثمرين وتوقعاتهم. ومع ذلك، وسط كل هذا التغيير، ترسخت لدي قناعة راسخة: مهما تطورت الأسواق والتكنولوجيا، تبقى الثقة هي حجر الزاوية في العلاقة بين المؤسسة المالية وعميلها. الثقة بالمؤسسة، بالمعلومات التي تقدمها، بالأشخاص الذين يتخذون القرارات، وبضمان شرح المخاطر بوضوح وعدم إخفائها خلف وعود سهلة أو توقعات مبالغ فيها.

هذا المفهوم أعاد تعريف نظرتي للقيادة. لا أؤمن بأن القيادة تقتصر على احتلال أعلى الهرم الوظيفي. القيادة، في رأيي، هي تمكين الأشخاص من حولك للارتقاء بمسؤولياتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار. فالهرمية تحدد الأدوار، لكنها لا تبني الكفاءات. أما التوجيه والتطوير فهما ما يبنيان أفراداً قادرين على التفكير، وتحمل المسؤولية، وقيادة الآخرين مستقبلاً.

هذه القناعة لم تأتِ من الكتب، بل هي نتاج تجارب مهنية وشخصية، ومن أشخاص استثمروا وقتهم وخبرتهم في تطويري. لذا، أرى اليوم أن من أهم مسؤولياتي نقل هذه الخبرة إلى الجيل الحالي من الزملاء، وخلق بيئة تسمح لكل فرد بالتعلم، والخطأ، والتطور، ليصبح قادراً على اتخاذ قراراته بثقة.

بالنسبة للمؤسسات المالية، تتجاوز هذه المسألة مفهوم الثقافة المؤسسية التقليدي. فالثقافة تؤثر مباشرة في الأداء، لأن القرارات يتخذها الأفراد. وتتجلى هذه الثقافة بوضوح في المواقف التي لا توجد فيها إجابات جاهزة: كيف يتعامل الموظف مع خطأ؟ كيف يشرح المخاطر لعميل؟ هل يملك الجرأة لطرح سؤال صعب؟ وهل يضع مصلحة العميل فوق تحقيق نتيجة سريعة؟

في قطاع يعتمد على اتخاذ القرارات، لا يمكن فصل جودة الأداء عن نوعية البيئة التي تُتخذ فيها هذه القرارات. وعليه، أعتقد أن السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة ستتطلب من القطاع المالي ما هو أكثر من مجرد مواكبة التكنولوجيا. ستفرض إعادة التفكير في العلاقة مع العملاء والقيمة التي تقدمها المؤسسات المالية لهم. ستصبح الشفافية، في رأيي، عاملاً تمييزياً رئيسياً بين المؤسسات. ولن تعود الثقة نتيجة تلقائية لحجم المؤسسة أو حضورها في السوق، بل ستكون نتيجة لسلوكها ووضوحها واتساقها.

أما التكنولوجيا، فستستمر في تغيير طريقة وصولنا إلى المعلومات، وتحليلها، واتخاذ القرارات وتنفيذها. لكنني لا أراها بديلاً عن الحكم البشري. فالتكنولوجيا قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات، واكتشاف أنماط قد يصعب على الإنسان رصدها، وتسريع العديد من العمليات. لكنها لا تتحمل مسؤولية القرار. معرفة ما تقوله الأرقام أمر، وفهم ما تعنيه، وإدراك حدودها، ومعرفة متى يجب التريث قبل اتخاذ القرار، أمر آخر. وهذا الفرق هو الأهم في عالم التداول.

في لبنان، نلاحظ وجود جيل جديد أكثر اهتماماً بالأسواق المالية، وأكثر اتصالاً بما يحدث في الأسواق العالمية. أصبح الوصول إلى المعلومات والأدوات والمنصات أسهل بكثير، ولم تعد المعرفة المالية حكراً على المتخصصين كما كانت في السابق. وهذا تطور مهم، لكنه يضع على القطاع مسؤولية أكبر. سهولة الوصول إلى الأسواق لا تعني بالضرورة القدرة على التعامل معها بشكل صحيح. وكثرة المعلومات لا تعني أن كل قرار مبني على فهم. لذلك، أعتقد أن مستقبل التداول يجب ألا يرتبط بثقافة البحث عن الربح السريع، بل بثقافة أكثر نضجاً تقوم على المعرفة والانضباط وإدارة المخاطر. هناك فرق كبير بين المشاركة الواعية في الأسواق والمضاربة دون فهم حقيقي لما قد ينتج عنها. وأعتقد أن الجيل الجديد سيكون جزءاً أساسياً من إعادة تشكيل هذه الثقافة. هذا الجيل لا يكتفي بتلقي المعلومة، بل يسأل عن مصدرها، ويبحث عن تفسيرها، ويقارن بين الخيارات، ويريد أن يفهم ليس فقط ما يمكنه القيام به، بل لماذا يقوم به وما المخاطر المرتبطة به. وعلى القطاع المالي أن يرحب بهذه الأسئلة، لا أن يخشاها. فالتثقيف المالي ليس خدمة إضافية يمكن تقديمها عند الحاجة، بل هو جزء من مسؤولية القطاع تجاه السوق والمجتمع. وكلما ارتفع مستوى فهم الأفراد للأسواق وللمخاطر ولطريقة اتخاذ القرارات المالية، أصبحت مشاركتهم أكثر وعياً، وأصبح السوق نفسه أكثر نضجاً.

في المقابل، لا يمكن بناء الثقة بالكلمات وحدها. الثقة تُبنى من خلال الممارسة والاتساق. تُبنى عندما تكون المبادئ نفسها حاضرة في الأسواق الجيدة والصعبة، وعندما تُشرح المخاطر بصدق، وتكون التوقعات واقعية، ولا يتم تقديم المكاسب قصيرة الأمد على حساب الاستدامة. المنافسة ستزداد. التكنولوجيا ستواصل خفض الحواجز أمام دخول لاعبين جدد. وستظهر أدوات ومنصات ونماذج أعمال جديدة باستمرار. لكنني أعتقد أن المؤسسات القادرة على الاستمرار هي التي ستفهم حقيقة بسيطة: الخدمات المالية تقوم في نهاية المطاف على العلاقات، والعلاقات لا تستمر من دون ثقة.

الأسواق قد تتحرك خلال ثوانٍ، وهذا يعيدني إلى القيادة. بصفتي امرأة تولت قيادة مؤسسة مالية في قطاع كان حضوره القيادي ذكورياً إلى حد كبير، أدرك جيداً قيمة أن ترى الشابات اليوم نساءً في مواقع القرار. لكنني أؤمن بأن التمثيل وحده لا يكفي. المسؤولية الحقيقية هي أن نفتح الطريق أمام الجيل التالي، وأن نمنحه المعرفة والمساحة والثقة ليقود بدوره. القيادة التي أؤمن بها ليست قيادة تقوم على السلطة لذاتها، بل على بناء أشخاص قادرين على حمل المسؤولية من بعدهم. فالقطاع المالي الذي سندخله خلال السنوات المقبلة لن يكون نفسه الذي عرفناه. الأدوات ستتغير، وسلوك المتداولين سيتغير، وتوقعات العملاء ستتغير، والأجيال التي ستتولى قيادة المؤسسات ستأتي بتجارب وطرق تفكير مختلفة. لكنني أتمنى ألا تتغير القيم التي يجب أن تقوم عليها هذه الصناعة: النزاهة، والمسؤولية، والشفافية، وحسن التقدير. فالأسواق قد تتحرك خلال ثوانٍ، وقد تتغير الأرقام في لحظة، لكن الثقة لا تُبنى بهذه السرعة. وفي السنوات المقبلة، قد تكون الثقة بالفعل العملة الأكثر قيمة في عالم المال.

كاتيا خير، الرئيسة التنفيذية لشركة CFI في لبنان.

كاتيا خير هي الرئيسة التنفيذية لشركة CFI لبنان، وانضمت إلى الشركة عام 2004، حيث تولّت مناصب قيادية في مجالات العمليات، والرقابة المالية، وإدارة المخاطر. كما تشغل منصب رئيسة لجنة تكنولوجيا المعلومات في CFI، وتتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عقدين في قطاعات الخدمات المالية، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي.

شارك الخبر: