الكرسي الأزرق في بيروت: جدلية الفن والسلطة والرمزية في مواجهة الواقع


هذا الخبر بعنوان "كرسي أزرق آخَر" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عام 1917، أحدث الفنان الفرنسي-الأميركي مارسيل دوشامب صدمة في عالم الفن بشراء مبولة خزفية جاهزة، أطلق عليها اسم "النافورة" ووقعها باسم مستعار هو R. Mutt. تقدم بها لمعرض جمعية الفنانين المستقلين في نيويورك، ورغم استبعاد العمل، إلا أنه أثار جدلاً واسعاً حول مفهوم الفن وحدوده، خاصة وأن الجمعية كانت قد أعلنت أن المعرض مفتوح لكل فنان يدفع رسوم المشاركة دون تحكيم مسبق. احتجاجاً على ذلك، استقال دوشامب من مجلس الجمعية، ودافع عن فكرته في نصٍ أصبح أيقونة في الفن المفاهيمي، نُشر تحت عنوان "قضية ريتشارد موت".
في هذا النص، أوضح دوشامب أن اختيار شيء عادي من الحياة ووضعه في سياق جديد يخلق له فكرة جديدة، وأن أهمية العمل لا تكمن في صنعه يدوياً بل في اختياره. لاحقاً، أوضح دوشامب أن هدفه من سلسلة "الأعمال الجاهزة" (Readymades) هو التشكيك في الربط التقليدي بين الفن والمهارة اليدوية والجمال، متسائلاً عن الجهة التي تقرر ما هو الفن، وعما إذا كان الشيء يصبح عملاً فنياً بمجرد اختياره ووضعه في سياق فني. تجاوزت القضية فكرة مبولة لتتحدى تعريف الفن نفسه والسلطة التي تمنحه صفة "الفن"، متسائلة عن دور المكان وسياقاته، كالمتحف، أو المتلقي، أو الناقد، أو الفنان نفسه.
بقيت هذه الأسئلة مفتوحة، لكنها شكلت بياناً إبداعياً لا يزال يحفز النقاش. وفي سياق متصل، استمر النقاش بين اللبنانيين حول مجسم كرسي أزرق ضخم نُصب على رصيف كورنيش بيروت، عين المريسة، كعمل للفنانة الفرنسية سابين جيرودي، مستوحى من كراسي نيس الشهيرة، ورمز للصداقة اللبنانية-الفرنسية والأمل. إلا أن قيمته الفنية والرمزية، خاصة في الحيز العام البيروتي، أثارت تساؤلات، لا سيما بعد إضافة خريطة لبنان عليه.
ربما لا تكمن المشكلة في أن الفكرة تعود لشركة تجارية سياحية، أو أن المنصة تحمل شعارات تجارية. قد يستحضر الكرسي الأزرق البيروتي مبولة دوشامب، ولكن في اتجاه معاكس، حيث انتشرت صور ساخرة تحول الكرسي الأزرق إلى كرسي مرحاض. إن تقديم هذا العمل كـ"عمل فني"، وإنزاله على رصيف هو جزء أساسي من حياة المدينة، دون استشارة مهندسين حضريين أو فنانين أو ممثلي المجتمع، يجعله شكلاً تسويقياً ممسوخاً لحملات دعائية للبنان. كما أنه لا يندرج ضمن الأعمال التي تخاطب الوعي الجمعي كتمثال لشخصية بارزة أو حدث مفصلي.
يُذكر أن كورنيش بيروت، المصمم على نمط "كوت دازور" ومدينة نيس، يحمل تاريخاً وحاضراً غنياً. فهل تكفي سياقات المكان لتجعل الكرسي الأزرق محجاً للرواد؟ وهل يُدبّج فضاء العرض رسالة المعروض؟ من قرر أنه فن يستحق الاستيراد؟ وهل الإضافة المباشرة لخريطة لبنان فنية أم خطاب سياسي؟
من منظور الفن أو الخطاب، يبدو الكرسي الأزرق فشلاً ذريعاً وتسطيحاً. وفي ظل موجة التعليقات الساخرة على منصات التواصل الاجتماعي، ظهرت مبادرتان "عفويتان" أعطتا الكرسي دلالة أكثر أصالة: الأولى، تركيب صورة الرئيس نبيه بري جالساً عليه، والثانية، محاولة رفع صورة حسن نصر الله عليه، في إشارة إلى التوتر السياسي. لم تصمد صورة نصر الله طويلاً، حيث سارع أحد المارة إلى إنزالها وتمزيقها.
هكذا تفاعل الناس مع "اللقيط الأزرق" خارج العالم الافتراضي، حيث امتُحنت معاني الفن والتصميم المدني. تجدر الإشارة إلى أن "نافورة" دوشامب الأصلية فُقدت، وأن النسخ المتداولة اليوم هي نسخ لاحقة. أما النسخة اللبنانية من الكرسي الفرنسي، فلا يبدو لها فهم أو تفهّم، ولعل هذه هي رمزيتها الوحيدة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة