لبنان
اقتصاد

تجارة الصقور: من أعشاش الهوارية ومصائد البادية إلى مزادات الخليج الفاخرة

النهار٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٤:٤٦ ص0 مشاهدة
تجارة الصقور: من أعشاش الهوارية ومصائد البادية إلى مزادات الخليج الفاخرة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تجارة الصقور: من أعشاش الهوارية ومصائد البادية إلى مزادات الخليج" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

من قلب منطقة الهوارية في محافظة نابل التونسية، يكشف البشير النجار، وهو مربّي صقور وعضو سابق في جمعية البيازرة، عن ممارسات تتضمن انتزاع فراخ الصقور من أعشاشها، وتهريب البيض، بالإضافة إلى الطيور البالغة. وبينما تتكشف عمليات تهريب الصقور في تونس، كما وثقتها الإدارة العامة للحرس الوطني، تمتد رحلة هذه الطيور من أعشاش الهوارية في تونس إلى مصائد البادية السورية. هناك، تتحول الصقور من كائنات برية إلى سلع ذات قيمة عالية، تتداولها شبكات معقدة من الصيادين والوسطاء والتجار. تتنوع هذه الممارسات بين صيد الفراخ الصغيرة من أعشاشها، والمزايدات التي قد تصل قيمتها إلى عشرات الآلاف من الدولارات، ومحاولات التهريب عبر الحدود. تكشف الوقائع في كلا البلدين عن نشاط تجاري يصعب تحديد حجمه بدقة، نظراً لنقص البيانات وغموض مسارات انتقال هذه الطيور إلى الأسواق الخارجية، وخاصة في منطقة الخليج العربي.

يؤكد البشير النجار، الذي يتابع هذا المجال منذ حوالي 50 عاماً، أن الصقور التونسية تحظى باهتمام كبير في دول الخليج، حيث يمكن أن تصل أسعار بعضها إلى عشرات الآلاف من الدولارات. ومع ذلك، يعترف النجار بعدم امتلاكه لأدلة موثقة تحدد حجم هذه التجارة أو الجهات المتورطة فيها.

تلقي الضبطيات الرسمية بعض الضوء على حجم هذا النشاط. ففي عام 2023، تمكنت الجمارك التونسية من حجز خمسة صقور ملكية نادرة في بن قردان، قُدرت قيمتها بحوالي 300 ألف دينار. كما تم ضبط ستة صقور أخرى مزودة بأجهزة تعقب داخل سيارة كانت متجهة إلى ليبيا، بقيمة تقارب 310 آلاف دينار. وفي كانون الثاني 2019، تم حجز ثمانية صقور مزودة بشرائح تعقب في سيارة ببن قردان. أفاد المشتبه فيهما بأن هذه الصقور تعود لشخص إماراتي، وأنها أدخلت عبر مسالك صحراوية بواسطة مهربين، بهدف نقلها إلى الجزائر مروراً بقفصة. وقُدرت قيمة هذه الصقور بنحو 400 ألف دينار.

وفي تطاوين، تم حجز ثلاثة صقور كانت تُستخدم في صيد الحبارى دون ترخيص وخارج الموسم، بحوزة خمسة مواطنين سعوديين، وقطري، وتونسي. تجاوزت قيمة هذه الصقور 100 ألف دينار. لا تقتصر المؤشرات على الضبطيات الرسمية؛ فعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر إعلانات لبيع فراخ الصقور ضمن مجموعات مغلقة، كما تُعرض طيور جارحة في مناطق سياحية لالتقاط الصور معها مقابل المال، وفقاً للنجار.

يشير النجار إلى أن ما لاحظه يدل على أخذ حوالي أربعة فراخ من أعشاش صقر البرني سنوياً، بينما لا يوجد سجل شامل لأنواع الصقور المختلفة وأعدادها. ويُقدر عدد مربي صقر البرني بحوالي 18 مربياً، مقابل 270 مربياً لطائر الساف (الباشق)، الذي يتراوح عدد الطيور التي تُصاد منه سنوياً بين 400 و600 طائر. تكتسب الهوارية والوطن القبلي أهمية خاصة كونهما محطة عبور للطيور الجارحة المهاجرة من أفريقيا نحو أوروبا خلال شهري آذار ونيسان. وتشتهر المنطقة بمهرجان صيد "الساف"، المعروف محلياً بالباشق، فيما كانت الهوارية تُعرف قديماً باسم "أكوالاريا"، أي مدينة الصقور. يخضع صيد الطيور البرية في تونس لإطار قانوني يستند إلى مجلة الغابات وتنقيحاتها، بما في ذلك القانون عدد 20 لسنة 1988، مع ضرورة الحصول على تراخيص وترتيبات إدارية للصيد.

التلاعب في الوثائق وتحديات التجارة العابرة للحدود

يرتبط واقع تجارة الصقور في العالم العربي، بحسب راشد علي محمد النعيمي، رئيس جمعية الإمارات للصقور والحفاظ على الحياة البرية، بمشهد أوسع لتراجع التنوع البيولوجي وضغوط الاتجار غير المشروع بالحياة البرية. هذه التجارة لا تقتصر على دولة واحدة، بل تتحرك عبر شبكات عابرة للحدود، تتداخل فيها مناطق الصيد والتجميع والعبور، وصولاً إلى الأسواق التي يرتفع فيها الطلب على السلالات النادرة والمتميزة. تواجه أنواع من الصقور، أبرزها صقر الساکر المصنف عالمياً ضمن الأنواع المهددة بالانقراض، إلى جانب الصقر الحر وبعض مجموعات الشاهين، تحديات جسيمة تتصل بفقدان الموائل الطبيعية، والصيد الجائر، والتسميم، والاتجار غير المشروع.

لا تعكس أرقام الضبط الرسمية، وفقاً لرؤية النعيمي، الحجم الحقيقي لهذه التجارة، بل تقتصر على الحالات التي تمكنت السلطات من اكتشافها. قد ينتقل الصقر عبر عدة دول قبل وصوله إلى المشتري النهائي، وقد تُخفى مصادره الحقيقية من خلال التلاعب بالوثائق أو تقديمه على أنه مولود في الأسر. لذلك، تصبح مطابقة الحلقات التعريفية، والشرائح الإلكترونية، وسجلات الإكثار، وشهادات المنشأ، وتتبع انتقال الملكية، عناصر أساسية لكشف هذه الممارسات.

تبرز ضرورة التمييز بين الصقارة المشروعة والاتجار غير القانوني، وتعزيز التعاون بين دول المنشأ والعبور والاستقبال. يختصر رئيس النادي هذه المعادلة بالقول: "نحن لا نريد أن نحافظ على الصقارة كتراث فقط، بل نريد أن نحافظ على الصقور نفسها، فليس من المقبول أن نحافظ على إرث الصقارة على حساب الصقور نفسها".

سوريا: من البادية إلى مزادات التجار

على الجانب السوري، تبدأ رحلة الصقور مع التحضيرات المبكرة لموسم الصيد. فمنذ منتصف آب، يجهز الصيادون سياراتهم ودراجاتهم النارية والشباك وطيور الطُعم، قبل التوجه إلى البادية. يمتد الموسم، بحسب أبو عمر، أحد العاملين في صيد الصقور، من 15 أيلول حتى 15 تشرين الثاني، ويشمل مناطق واسعة من الرقة ودير الزور والحماد وريف حمص وحلب والجزيرة السورية. يتوزع الصيادون ضمن مجموعات تتقاسم نفقات الرحلات وعائداتها، مستخدمين وسائل مختلفة للإمساك بالطيور، بينها طريقة "الكوخ" أو "النوجة"، حيث يختبئ الصياد داخل حفرة ويستخدم غراباً لاستدراج الصقر. لا تخلو الرحلات من المخاطر؛ فإلى جانب ارتفاع كلفة الوقود، تشكل الألغام ومخلفات الحرب تهديداً للصيادين، ويشير أبو عمر إلى أن شباناً يفقدون حياتهم سنوياً بسببها.

بعد الصيد، تنتقل الطيور إلى مرحلة البيع عبر مكاتب متخصصة تنظم المزايدات. يتولى "دلّال الطير" الوساطة بين البائع والمشتري، لقاء عمولة تتراوح، وفق أبو عمر، بين 5 و10 في المئة من قيمة الصفقة. يؤدي هؤلاء دوراً أساسياً في تقدير قيمة الطيور، استناداً إلى النوع، والقياس، واللون، والعمر. يصف أبو عمر "الحر" بأنه الأندر والأغلى، فيما يتراوح قياس الشاهين عادة بين 15 و16 إنشاً، وتزداد قيمته عندما يتجاوز 16 إنشاً، ليُعرف محلياً باسم "القوسية". تُقدر أسعار هذه الفئة بين 20 ألف دولار و80 ألفاً، مشيراً إلى بيع طير بـ35 ألف دولار وآخر بـ50 ألفاً خلال الموسم الحالي. وهي أسعار مستمدة من صفقات تحدث عنها المصدر، ولا تمثل متوسطاً عاماً للسوق.

وجهة خليجية ومسارات غير مكتملة

لا تنتهي التجارة عند المزايدات السورية. يقول أبو عمر إن بعض الصقور تصل إلى دول الخليج عبر بلدان مجاورة أو رحلات جوية مباشرة، وإن ثمة تجاراً يتواصلون مع مشترين في قطر ودول خليجية أخرى لترتيب نقل الطيور. وفي حالات الصقور النادرة، قد يرسل المشتري طائرة خاصة لنقلها. ويستعيد واقعة تعود إلى عام 2015، يقول فيها إن طيراً نادراً نُقل إلى تركيا على متن طائرة خاصة قبل وصوله إلى مشترٍ خليجي.

لكن المصدر لا يملك معلومات كافية لتحديد مسارات التهريب أو البلدان التي تمر بها الطيور، سواء عبر العراق أو لبنان أو غيرهما. ويربط بعض عمليات إخراج الصقور من سوريا خلال فترة النظام السابق بالخوف من مصادرتها على يد ضباط النظام، مشيراً إلى أن التجار كانوا يعتمدون على علاقاتهم الخاصة لترتيب نقلها.

تظل الصورة غير مكتملة، بين تونس التي تكشف ضبطياتها عن صقور مزودة بأجهزة تعقب تُنقل عبر المسالك الصحراوية، وسوريا التي تظهر فيها دورة صيد وبيع ومزايدة ذات أسعار مرتفعة. فعدد الطيور التي تُصاد، ونسبة ما يُهرّب منها، والجهات التي تتولى نقلها إلى الأسواق الخارجية، كلها أسئلة لا تحسمها إفادات المصادر أو عمليات الضبط المتفرقة، بل تحتاج إلى سجلات رسمية وبيانات عابرة للحدود تكشف حجم تجارة تستنزف الطيور الجارحة.

شارك الخبر: