لبنان
اقتصاد

«سوق أرضي» يجمع اللبنانيين من جونية إلى مركبا: حكايات الأرض والإنتاج المحلي في مجمع سيد الشهداء

المدن٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٢٤ م0 مشاهدة
«سوق أرضي» يجمع اللبنانيين من جونية إلى مركبا: حكايات الأرض والإنتاج المحلي في مجمع سيد الشهداء

تنويه

هذا الخبر بعنوان "منتجات سوق أرضي: الضاحية تجمع اللبنانيين من جونية إلى مركبا" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مجمع سيد الشهداء بمنطقة الرويس، تتلاقى حكايات المزارعين والحرفيين من مختلف المناطق اللبنانية، حاملة معها منتجات القرى وذاكرة الأرض. معرض «سوق أرضي 2026» ليس مجرد منصة للبيع والتسويق، بل هو مساحة تجمع لبنانيين من مناطق وطوائف مختلفة، وتعزز لقاءً عنوانه الإنتاج المحلي والتمسك بالأرض، في مكان يسعى لاستعادة نبض الحياة بعد سنوات من الحرب والدمار.

ريموندا قزيلي، من جونية، تحضر للمرة الرابعة، مقدمةً صناعاتها اليدوية. تشير إلى أن المسافة بين جونية والضاحية الجنوبية لا تتجاوز 20 دقيقة، وأنها اعتادت جعل «سوق أرضي» محطة سنوية لتسويق منتجاتها والتواصل مع الزبائن. بالنسبة لها، المسافة بالكيلومترات لا تعكس عمق العلاقة، والاختلافات بين أبناء المناطق لا تحول دون هذا اللقاء السنوي المتجدد.

على امتداد طاولات المعرض، تتجاور مونة القرى الجنوبية مع زيت الزيتون من إنتاج الكورة، والحرف اليدوية من جونية ومناطق أخرى. لكل منتج حكاية ومكان، ولكل عارض سبب يدفعه للحضور، لكن الجميع يتحدون في رغبة مشتركة لإيصال إنتاجهم إلى الناس ومواصلة العمل، رغم الأزمات الاقتصادية وتداعيات الحرب التي أثقلت كاهل المزارعين والحرفيين، خاصة في القرى الجنوبية.

من سيد الشهداء إلى سوق أرضي

اختيار مجمع سيد الشهداء في الرويس لاستضافة المعرض يضفي بعداً إضافياً على المكان. فالمجمع، الذي كان مركزاً دينياً واجتماعياً وثقافياً بارزاً لدى جمهور «حزب الله»، ارتبط بإحياء المناسبات الدينية الكبرى، خاصة خلال شهر محرم وعاشوراء. كما يحمل ذاكرة ثقيلة من الحروب الإسرائيلية على لبنان، حيث تعرض للتدمير خلال حرب عام 2006، ولأضرار واستهدافات في حروب لاحقة عامي 2024 و2026. في هذا المكان الذي ارتبط بالاجتماعات والاحتفالات الدينية، تُنصب اليوم طاولات المزارعين والحرفيين، وتُعرض منتجات تحمل أسماء قرى وبلدات لا تزال تواجه تداعيات الحرب. يتحول المجمع، ولو مؤقتاً، إلى مساحة للتبادل الاقتصادي والاجتماعي، تستعيد فيها الضاحية جزءاً من حركتها، فيما يحاول المشاركون إبقاء صلتهم بأرضهم وأسواقهم.

افتُتح المعرض تحت عنوان «باقي بأرضي»، بمشاركة نحو ألف عارض اختيروا بالقرعة من بين قرابة 1800 طلب مشاركة، نظراً لمحدودية المساحة. يضم المعرض منتجات زراعية ومونة بلدية وحرفاً يدوية من مختلف المناطق اللبنانية، مع حضور لافت لمنتجات القرى الجنوبية. يهدف المعرض إلى دعم المزارعين والحرفيين، وإتاحة مساحة لتسويق إنتاجهم والتعريف به، في وقت تواجه فيه القطاعات الزراعية والحرفية تحديات متراكمة بفعل الأزمة الاقتصادية والحرب وتراجع القدرة الشرائية وتضرر الأراضي والمرافق الإنتاجية.

«أشعر أن هذا المعرض بيتي»

من بلدة الريحان الجنوبية، أتت أمينة بمنتجات المونة التي أعدتها بجهد شخصي وسط ظروف صعبة. تقول إن مشاركتها ليست مجرد فرصة للبيع، بل ترتبط بعلاقة خاصة بالمكان: «أشعر أن هذا المعرض بيتي. ثابرت وعملت حتى أتمكن من إعداد المونة والمشاركة، رغم الأوضاع الصعبة». بالنسبة لأمينة، الاستعداد للمشاركة هو نوع من محاولة للاستمرار، في ظل واقع يفرض على أصحاب المشاريع الصغيرة البحث عن منافذ لتصريف إنتاجهم، بعدما تقلصت فرص العمل والتسويق في عدد من المناطق.

من بلدة مركبا الجنوبية المحتلة، حضر أبو علي بمنتجات العسل، حاملاً معه حكاية أخرى عن الحرب والعودة. «نحن عشاق حياة»، يقول، مختصراً دوافع مشاركته. لا يخفي حجم الدمار الذي لحق بقريته، لكنه متيقّن من أن العودة إليها قريبة. يلفت إلى أن زوار المعرض قدموا من مناطق لبنانية مختلفة، وأن التفاعل مع العارضين ومنتجاتهم كان لافتاً ومحفزاً. ويدعو الناس إلى زيارة السوق، معتبراً أن الحركة التي تشهدها تعكس تمسك السكان بالحياة، وتناقض الصورة التي تُقدّم عن الضاحية باعتبارها منطقة فارغة أو متوقفة عن الحركة.

من الكورة الشمالية، حضر تامر بمنتجات الزيت والزيتون. يؤكد أن الأزمات التي يمر بها لبنان منذ سنوات لم تمنعه من المشاركة، مصراً على الوصول بمنتجاته إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس. فبالنسبة للمنتجين، لا تنفصل المشاركة في المعرض عن البحث عن أسواق جديدة، في ظل الصعوبات التي تواجه الإنتاج المحلي والتسويق والتوزيع.

بين كلفة المشاركة وغياب الدعم

وراء هذا الحضور المتنوع، تبرز أسئلة تتعلق بكلفة المشاركة والجهات التي تتحمل أعباء تنظيم المعرض. بحسب مصدر مطلع، تبلغ مساهمة العارض الواحد 100 دولار، تُخصص للتكاليف اللوجستية طوال فترة المعرض، فيما تُفرض رسوم أعلى على طاولات الدعاية والإعلانات، تبدأ من 200 دولار. ورغم حجم المشاركة والإقبال، يعترض بعض العارضين على غياب الدعم الرسمي من الدولة، خصوصاً أن المعرض يأتي في أعقاب حرب طالت الضاحية الجنوبية ومناطق لبنانية أخرى، وألحقت أضراراً مباشرة بمصادر رزق عدد من المشاركين. ويرون أن دعم المزارعين والحرفيين لا ينبغي أن يقتصر على المبادرات الفردية والمناسبات الموسمية، بل يحتاج إلى سياسات تتيح لهم الاستمرار وتضمن وصول منتجاتهم إلى الأسواق.

فبين من جاء من الجنوب محمّلاً بمونة قريته وعسلها، ومن قطع المسافة من الشمال بزيت الزيتون، ومن حضرت من جونية بصناعاتها اليدوية، تتشكل في «سوق أرضي» صورة عن بلد تتباعد مناطقه في السياسة والجغرافيا، لكنها تلتقي في تفاصيل الإنتاج والعمل والبحث عن فرصة للاستمرار. بالنسبة لكثير من العارضين، تشكل السوق فرصة للقول إنهم لا يزالون قادرين على الإنتاج، وإن القرى التي أتوا منها، رغم ما أصابها، لا تزال حاضرة في منتجاتهم وحكاياتهم.

شارك الخبر: