لبنان
تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي: هل هو حقًا ذكي أم مجرد ببغاء متقن؟

المدن٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٢٠ م0 مشاهدة
الذكاء الاصطناعي: هل هو حقًا ذكي أم مجرد ببغاء متقن؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "يوميات تقنية (2): الذكاء الاصطناعي ليس ذكيًّا" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أجد نفسي، لبنانية في السابعة والثلاثين، أكتب عن الذكاء الاصطناعي، بينما لا أزال أجهل شوارع بيروت ومقاهيها كما ينبغي. على الرغم من أنني قضيت معظم حياتي خارج لبنان، إلا أن هذا لم يخفف من حيرتي وأنا أستكشف مدينتي عبر Google Maps ومحركات البحث. سألت عن مقهى مناسب للعمل، فجاءت التوصية: «المقهى الفلاني في الحمرا هو الخيار الأمثل لكِ، حيث يمكنكِ العمل والاستمتاع بقهوة ممتازة». ثم انطلق صوت نسائي بلكنة بريطانية من Google Maps ليقول: «اسلكي المخرج الثالث». وهكذا وجدت نفسي جالسة، والخوارزميات رفيقتي على نفس الطاولة في المقهى الفلاني.

«اسأل ChatGPT، أسرع وأسهل، سيوفر عليك الوقت. لن تكون أذكى من الذكاء الاصطناعي!» التقطت أذناي هذه الكلمات من طاولة مجاورة. قد أكون نسيت الطرقات، لكنني لم أنسَ تلك السمة اللبنانية الأصيلة: امتلاك إجابة لكل سؤال وتقديمها بثقة لا تتزعزع. كان الرجل أمام حاسوب محمول مفتوح على ChatGPT، كتب سؤاله، فحصل على الإجابة في ثوانٍ، نسخها وأرسلها لصديقه دون قراءة حرف واحد، ثم عاد لارتشاف قهوته. كتمت رغبتي في التصحيح، وأدركت أن هذا الرجل هو بالضبط ما أحاول شرحه. ما يجعلنا نصدق أن ChatGPT «يفكر» ليس ما يعرفه، بل طريقة كلامه: جمل متماسكة، ونبرة واثقة لا تشوبها شائبة. جمل جذابة، كالشاب المفتون بـChatGPT.

لعبة الكلمة التالية

تخيلوا شخصًا قرأ كمًا هائلاً من المحتوى المنشور على الإنترنت، وأتقن لعبة واحدة: تخمين الكلمة التالية. إذا قلت له «الجار قبل…»، أكمل «الدار» في ثوانٍ، ليس لأنه يفهم معنى الجار والدار، بل لأنه صادف العبارة مرات لا تحصى. ثم دربه البشر على الإجابة بأدب وثقة، فأصبح يجيد الكلام حتى لو لم يفهم معناه. هكذا يعمل ChatGPT وأمثاله: يختار الكلمة الأكثر احتمالاً، لا بالضرورة الأكثر صدقًا، ويقولها بنفس النبرة في كلتا الحالتين. ولهذا وصفت اللغوية الأمريكية إميلي بندر والباحثة تيمنيت غيبرو هذه النماذج في عام 2021 بـ«الببغاوات الاحتمالية»، على الرغم من اختلاف علماء آخرين معهما. هذا، ببساطة، هو جوهر النماذج اللغوية الكبيرة مثل ChatGPT وClaude: ببغاوات ملونة، واثقة من نفسها.

Visuals by Claude - AI Generations

صيف في هانوفر

في صيف عام 1955، كان جون مكارثي، أستاذ الرياضيات الشاب في كلية دارتموث الأمريكية، يلاحق فكرة بدت للكثيرين ضربًا من الخيال: أن يتعلم الكمبيوتر، ذلك الجهاز الضخم الذي يملأ غرفة كاملة ولا يجيد سوى الحساب، كيف يحاكي العقل البشري. استعان بثلاثة علماء، منهم كلود شانون، «أبو نظرية المعلومات»، وكتبوا معًا طلب تمويل لمؤسسة روكفلر: عشرة علماء، وشهران، وصيف واحد يكفي، بحسب ما كتبوا، لتحقيق «تقدم كبير». وكان على المشروع أن يحمل اسمًا. كان نجم «السيبرنيطيقا» (Cybernetics)، علم التحكم الذي تزعمه نوربرت فينر، في أوجه، ولم يرد مكارثي، كما روى لاحقًا، أن يتخذ فينر مرشدًا أو يدخل معه في جدال، فاختار اسمًا جديدًا: «الذكاء الاصطناعي». طلب مكارثي من روكفلر 13500 دولار، فنال 7500. وفي صيف 1956، توافد العلماء إلى بلدة هانوفر الهادئة، يأتي بعضهم أيامًا ثم يرحل، ومضى الصيف دون الاختراق الموعود. ومرت بعده سبعون صيفًا، ولم تُحسم أسئلتهم. أما اسم «الذكاء الاصطناعي» فسبقهم إلى العالم كله. والمفارقة أنهم لم يعدوا يومها بكمبيوتر ذكي، بل بكمبيوتر «يحاكي» الذكاء، أي يقلده. لكن هذا القيد ضاع في الطريق، فصدقنا أن ما يقلد الذكاء ذكي هو الآخر. ولهذا اقترح التقني الإيطالي ستيفانو كوينتاريلي، مازحًا، اسمًا بديلاً يُختصر إلى SALAMI «سلامي» (Systematic Approaches to Learning Algorithms and Machine Inferences).

لكل نموذج صنعته الذكاء الاصطناعي ليس تقنية واحدة، بل عائلة من النماذج. فنماذج التنبؤ تتعلم من أرقام الماضي لتتوقع المستقبل، كأن يقدر Google Maps موعد وصولك، أو يقرر برنامج في مصرف إن كنت «تستحق» قرضًا. وأنظمة التوصية تختار لنا الفيديو التالي على YouTube و TikTok، وأنظمة الرؤية تتعرف إلى وجهك فتفتح الهاتف.

Visuals by Claude - AI Generations

الطريق إلى زغرب

إن كانت هذه التقنيات كلها، على اختلافها، قادرة على الخطأ، فلماذا نصدقها بهذه السهولة؟ لهذا الميل اسم في علم النفس: «انحياز الأتمتة» (Automation Bias)، أي أن نصدق الأجهزة والبرامج أكثر من أعيننا، لأن التحقق متعب والبرامج لا تتعب، تمامًا كما نصدق الطبيب والمحامي والمهندس لأنهم مختصون، وننسى أن المختصين يخطئون أيضًا. ففي عام 2013، خرجت البلجيكية سابين مورو لتقل صديقة من محطة تبعد 60 كيلومترًا عن بيتها، فانتهى بها المطاف، بعد يومين و1450 كيلومترًا، في زغرب الكرواتية. رأت اللافتات تتبدل من لغة إلى أخرى، لكنها قررت أن تثق بجهاز الملاحة. ذاك الجهاز كان أخرس تقريبًا، أما روبوتات المحادثة اليوم فتتكلم وتشرح، بل تشهد لنفسها. ففي عام 2023، قدم محامٍ أميركي إلى محكمة مذكرة تستند إلى قضايا اخترعها ChatGPT، وحين ساوره الشك سأله إن كانت حقيقية، فأجابه بنعم. وتحت خانة الكتابة سطر صغير يقول إن ChatGPT قد يخطئ، نمر عليه كما نمر على التحذير المكتوب على علبة السجائر.

حكم العشرين ثانية

يبدو ما سبق مضحكًا، لكن لانحياز الأتمتة وجهًا لا يضحك فيه أحد. ففي نيسان 2024، كشفت مجلة «+972» عن نظام يدعى Lavender، قالت إن الجيش الإسرائيلي استخدمه في غزة لوضع قائمة بنحو 37 ألف شخص بوصفهم أهدافًا، وإن الضباط كانوا يصادقون على كل اسم يقترحه في نحو عشرين ثانية، مع أنه كان يخطئ في نحو 10% من الحالات. أما الجيش الإسرائيلي فنفى أن يستخدم نظامًا يحدد «الإرهابيين». عشرون ثانية: هذا كل ما تبقى للإنسان من القرار.

Aftermaths of Lavender - Internet

أؤمن بأن الذكاء الاصطناعي، في حد ذاته، لا يحمل نوايا، كالسكين التي تقطع الخبز بالسهولة نفسها التي تجرح بها. لكن هذه النماذج لا تولد من فراغ، بل تبنيها شركات وحكومات تحدد لها وظيفتها، وقد صارت الحرب إحدى هذه الوظائف. ففي مطلع 2024، حذفت OpenAI، الشركة الأم لـChatGPT، من سياستها حظر استخدام تقنياتها في «الأغراض العسكرية والحرب». أما منافستها Anthropic، الشركة الأم لـClaude، فأتاحت نماذجها لأجهزة الاستخبارات والدفاع الأميركية، لكنها رفضت في عام 2026 أن تستخدم في المراقبة الجماعية للأميركيين أو في الأسلحة الذاتية التشغيل، فصنفها البنتاغون «خطرًا على سلسلة الإمداد». وبعد ساعات، أعلنت OpenAI اتفاقًا معه.

أسئلة للطاولة المجاورة

كانت القهوة في ذاك المقهى جيدة جدًا. نعم، الخوارزميات تعرفني جيدًا. ولو عاد بي الزمن، لالتفت إلى جاري وقاطعته، ولطال بنا الحديث، وكنا سنعزم بعضنا على قهوة ثانية وثالثة. ولسألته: حين نصدق البرامج كل يوم دون تحقق، هل نوفر الوقت حقًا، أم نفقد شيئًا فشيئًا قدرتنا على الشك؟ ألم يجعل ديكارت الشك طريقه إلى «أنا أفكر، إذًا أنا موجود»؟ ولو سماها مكارثي في ذلك الصيف «سلامي» بدلًا من «الذكاء الاصطناعي»، هل كان «انحياز الأتمتة» سيبقى بهذه القوة؟ ثم نتفق، أنا وجاري، على أن نلتقي يومًا ما، وكلانا يعرف أننا لن نفي بهذا الموعد. وهذا شيء لا تفهمه الخوارزميات.

شارك الخبر: