من أرنون إلى ميشيغن: قصة عباس علوية، الجنوبي الذي صنع مستقبله في السياسة الأمريكية


هذا الخبر بعنوان "عباس علوية من أرنون إلى واشنطن" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
إن عبور عباس علوية من بلدة أرنون الجنوبية، جارة زوطر الشرقية، إلى الحياة السياسية الأميركية لا يمثل مجرد قصة نجاح فردي لشاب لبناني حملته الهجرة إلى بلاد الفرص. بل هي حكاية تختصر مسافة طويلة بين قرية جنوبية عرفت الحروب والاحتلال والحرمان، وبلاد العم سام، صانعة القرارات في العالم. عباس علوية، ابن الجنوب الذي غادر لبنان مع عائلته منذ نحو ثلاثين عاماً، بقيت أرنون حاضرة في ذاكرته، كما بقيت الحروب التي عاشتها العائلة وأبناء منطقته جزءاً من تجربته الإنسانية والسياسية. واليوم، بعد فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغن، يعود اسمه إلى الواجهة اللبنانية من بوابة السياسة الأميركية، وليس من الباب اللبناني، حاملاً معه شيئاً من ذاكرة الجنوب وأسئلته.
جنوبي في مؤسسة تشريعية أميركية
ونسأل هنا: لو بقي عباس في الجنوب، ماذا كان سيحلّ به؟ وما مصير حياته؟ هل كان سيفكّر يوماً في خوض الانتخابات النيابية في الجنوب في وجه لائحة أمل وحزب الله، وفي مواجهة محمد رعد وهاني قبيسي؟ الجواب الطبيعي: لا. ما كان ليفكّر في ذلك. لكن المسألة ليست في وصول جنوبي إلى مؤسسة تشريعية أميركية، ولا في عدد المناصب التي يستطيع اللبنانيون الوصول إليها في بلاد الاغتراب. المسألة الأهم هي: هل يستطيع هذا الحضور أن يتحول إلى صوت حقيقي لقضايا الناس الذين خرج منهم؟
وهنا نصل إلى السؤال الذي يتجاوز عباس علوية نفسه: ماذا يريد الجنوبي؟ الجنوبي لا يريد أن يبقى اسمه مرتبطاً بالحرب وحدها، ولا أن تكون هويته السياسية محصورة في الصمود والتضحيات وتقديم الشهداء. لقد دفع أبناء الجنوب أثماناً باهظة من بيوتهم وأرزاقهم وأعمارهم واستقرار عائلاتهم. ومن حقهم اليوم أن يتطلعوا إلى حياة طبيعية، وإلى دولة تحميهم، وتعيد إعمار قراهم، وتؤمّن لهم فرص العمل والتعليم والصحة، وتمنحهم شعوراً بأنهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات. الجنوبي يريد أرضه محررة، وسماءه آمنة، وبيته قائماً، وأولاده قادرين على بناء مستقبلهم في قراهم، لا أن يتحول الجنوب إلى محطة دائمة للنزوح. ويريد استقراراً مستداماً، لكنه يريد أيضاً دولة لا تتنازل عن مسؤولياتها، ومؤسسات لا تكون خاضعة لحسابات فئات ذات مصادر خارجية، وقانوناً يُطبّق على الجميع من دون استثناء أو امتياز.
اللبناني بين غربتين
ولعل تجربة عباس علوية تفتح باباً إضافياً للنقاش. فالرجل وصل إلى موقعه عبر العمل السياسي والمؤسساتي، ومن خلال تنظيم الناخبين وبناء التحالفات وخوض المعارك الانتخابية. وهذا بحد ذاته يقدم نموذجاً يستحق التأمل: كيف يستطيع أبناء الجاليات تحويل حضورهم الاجتماعي والاقتصادي إلى قوة سياسية مؤثرة، وإجراءً لفهم السؤال؟ كيف يستطيع اللبناني في الاغتراب الوصول إلى المراتب السياسية، فيما لا يستطيع في وطنه الوصول إلى أدنى المناصب؟ وحين تضيق به فرص الحياة أو تضيق به فسحة الحريات، يهاجر إلى أقاصي العالم، حيث تصنع منه الفرص إنساناً مؤثراً ومتأثراً في الوقت ذاته. وعباس علوية أحد النماذج؛ فقد أصبح عضواً منتخباً في مجلس شيوخ ولاية ميشيغن، وليس عضواً في مجلس الشيوخ الفيدرالي الأميركي، ولا يملك منفرداً صلاحية رسم السياسة الخارجية لواشنطن أو اتخاذ قرارات بشأن لبنان. ومع ذلك، فإن موقعه يمنحه مساحة للتأثير والتواصل وإبقاء قضايا الجنوب واللبنانيين حاضرة في النقاش العام الأميركي. لا ينبغي أن يكون المطلوب من علوية مجرد رفع شعار الانتماء إلى أرنون والجنوب، بل أن يساهم، من موقعه وإمكاناته وعلاقاته، في نقل حقيقة ما يعيشه الجنوبيون، وفي الدفاع عن حقهم في الحياة والأمن والإعمار والكرامة. فالجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الذين يتحدثون باسمه فقط، بل إلى من يسمعون وجعه، ويفهمون حاجاته، ويساعدون في تحويل مطالبه إلى سياسات ومبادرات عملية.
من أرنون إلى ميشيغن: مفارقة لبنانية
قصة عباس علوية تضعنا أمام مفارقة لبنانية مؤلمة: ابن الجنوب يستطيع أن يصل إلى مؤسسة سياسية في الولايات المتحدة، وأن يشارك في صناعة القرار المحلي هناك، فيما لا يزال أبناء بلدته وبلدات الجنوب ينتظرون دولة توفر لهم أبسط مقومات الاستقرار والحياة. وليس في ذلك انتقاص من تجربة الاغتراب، بل إدانة لواقع لبناني جعل الهجرة، في كثير من الأحيان، طريقاً إلى الفرص التي عجز الوطن عن توفيرها لأبنائه. من أرنون إلى ميشيغن، تبدو المسافة الجغرافية بعيدة، لكنها تختصر سؤالاً لبنانياً كبيراً: متى يصبح الجنوبي شريكاً كاملاً في دولة تحميه، بدلاً من أن يبقى مطالباً بإثبات حقه في الأمان والاستقرار بعد كل حرب؟ الجنوبي لا يريد أن يكون بطلاً دائماً في الحروب، ولا ضحية دائمة في التسويات، ولا حكاية دائمة في خطابات السياسيين. يريد ببساطة أن يعيش مواطناً في وطنه، وأن يكون الجنوب مكاناً للحياة، لا ساحة مفتوحة لدفع الأثمان. وأخيراً، هل تجربة عباس علوية هي عبرة مجانية يستخلص منها أهل الجنوب ما يساعدهم على إدراك ما يريدون وفهم واقعهم؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة