إسرائيل في مواجهة مفارقة القوة: هل الأمن المتفوق يقود إلى


هذا الخبر بعنوان "إسرائيل تنحر ذاتها: عندما تتحول القوة من ضمانة للأمن إلى نحرٍٍ إراديّ لديمومة الحياة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تؤكد الجغرافيا على دورها في تشكيل السياسات، بينما تصنع الديموغرافيا القوة والتاريخ والحاضر والمستقبل. على الرغم من أن إسرائيل لم تشهد في تاريخها الحديث تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كما هو الحال اليوم، إلا أنها تواجه تحدياً وجودياً يتجاوز نتائج الحروب التقليدية. يكمن السؤال في قدرة دولة على توفير بيئة آمنة ومستقرة لمجتمعها إذا استمرت في التعامل مع محيطها بمنطق القوة والعداء. هذا التساؤل لا يتعلق ببقاء الدولة بحد ذاته، بل بشروط الحياة داخلها ومستقبل الأجيال. فقد تبقى الدولة قائمة بجيشها المتفوق وتكنولوجيتها المتقدمة، لكنها قد تجد نفسها في بيئة إقليمية أكثر عداءً، ومجتمعاً إسرائيلياً أكثر اعتماداً على الحماية الخارجية، وأقل قدرة على إنتاج حياة طبيعية.
تنطلق هذه القراءة من معادلة جيوسياسية أساسية: الجغرافيا تصنع السياسة، والديموغرافيا تصنع القوة. إسرائيل لا تستطيع تغيير موقعها الجغرافي أو إلغاء محيطها العربي، كما أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق سلام دائم. هذه الحقيقة لا تقتصر على إسرائيل، فإيران أيضاً اصطدمت بحدود الجغرافيا والديموغرافيا في سعيها لبناء مجال نفوذ واسع. المقارنة بين "إسرائيل الكبرى" و"إيران الكبرى" تختبر فرضية واحدة: هل تستطيع قوة إقليمية إعادة تشكيل فضاء جغرافي وديموغرافي واسع وفق إرادتها؟
إسرائيل جزء لا يتجزأ من الشرق الأوسط، وتقع في قلب المشرق على ملتقى قارات وثقافات. هذه الجغرافيا تمنحها أهمية استراتيجية، لكنها تفرض عليها حقيقة لا يمكن للتكنولوجيا تغييرها: أمنها المستدام مرتبط بعلاقتها بالمجال الجغرافي المحيط بها. لا يمكن لإسرائيل أن تنقل نفسها من الشرق الأوسط، وأي مشروع يقوم على عزلها عن محيطها أو إعادة تشكيله يصطدم بحقيقة الجغرافيا. وينطبق الأمر نفسه على إيران، التي رغم قوتها ونفوذها، لا تستطيع تحويل العراق وسوريا ولبنان إلى امتداد جغرافي وسياسي دائم لها، نظراً لعمق هذه المجتمعات وهوياتها ومصالحها الخاصة. لا يمكن لأي قوة أن تلغي الخصائص الجغرافية للإقليم أو تعيد تشكيل جغرافيته وديموغرافيته بإرادتها المنفردة.
إذا كانت الجغرافيا حقيقة ثابتة، فإن الديموغرافيا تعمل ببطء لكن بعمق أكبر في صناعة المستقبل. شهد العالم العربي تحولاً ديموغرافياً هائلاً، حيث ارتفع عدد سكانه بشكل كبير. فلسطين، التي كانت جزءاً صغيراً من الكتلة السكانية العربية، أصبحت اليوم تواجه بيئة بشرية مختلفة جذرياً عما كانت عليه عام 1948. التحول الديموغرافي يتراكم عبر عقود وأجيال، ويغير حجم المجال البشري الذي تتحرك فيه القوى الإقليمية. الديموغرافيا ليست مجرد أرقام، بل هي مجتمعات وهوية ولغة وذاكرة وتاريخ وتطلعات سياسية.
كان الرهان الإسرائيلي على أن الزمن سيعمل لمصلحة النسيان، وأن انتقال الأجيال سيضعف ارتباط الفلسطينيين بقضيتهم. لكن الأحداث أظهرت عكس ذلك؛ فالقضية الفلسطينية لم تختفِ، بل أعيد إنتاجها داخل الأسرة والمجتمع والذاكرة. الذاكرة الجماعية انتقلت إلى الأجيال اللاحقة، وأصبحت جزءاً من وعيها الاجتماعي والتاريخي. الزمن لم يقتل القضية الفلسطينية، بل أعاد إنتاجها في ذاكرة أجيال جديدة لم تعش التجربة الأولى، لكنها حملت روايتها وحقوقها وتطلعاتها.
الأجيال الفلسطينية الرابعة والخامسة في الشتات، رغم عدم عيشها النكبة أو حرب 1967، حملت القضية باعتبارها جزءاً من ذاكرتها التاريخية والاجتماعية. الأهم من ذلك، أنها حولت الموروث التاريخي إلى مبادرة جديدة في المجال العام، وأصبحت من أهم حملة الخطاب الفلسطيني ومبادري الحراك خارج الأطر السياسية التقليدية، باستخدام أدوات التواصل التي يفرضها العصر الرقمي. هذه الأجيال لم تكتفِ بإعادة إنتاج الخطاب الفلسطيني التقليدي، بل أعادت ترجمته إلى خطاب إنساني وحقوقي يستند إلى قيم الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان. وبذلك، لم تعد القضية تقدم للرأي العام الغربي كقضية قومية أو دينية، بل كقضية إنسانية تتعلق بحقوق الإنسان وكرامته. لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً حاسماً في هذا التحول، مما أتاح لهذه الأجيال تجاوز احتكار المؤسسات السياسية التقليدية لمنابر التعبير.
في كندا وجامعات غربية أخرى، ظهر الحراك الطلابي والمدني الفلسطيني والعربي بوضوح، مما جعل القضية الفلسطينية حاضرة في المجال العام خارج الأطر التقليدية. اللافت أن هذا الحراك سبق الأطر والفصائل الفلسطينية الرسمية في المبادرة والتنظيم. هذا الجيل لم يصبح بديلاً من التمثيل السياسي الفلسطيني، ولكنه استعاد المبادرة في إنتاج الحضور الشعبي والثقافي والحقوقي للقضية. امتلاك القضية اتخذ أشكالاً جديدة، امتدت إلى الجامعة والشارع ووسائل التواصل الاجتماعي والمجتمع المدني والفضاء الحقوقي والإعلامي. انتقلت المبادرة في جانب من الحضور الفلسطيني من المحافظة على الذاكرة إلى إنتاج خطابٍ جديد للقضية في المجال العام، مما مهّد لانتقالها من إطارها العربي والإسلامي إلى فضاءٍ إنساني وأممي أوسع.
أحداث غزة نقلت القضية الفلسطينية إلى مستوى يتجاوز المجال العربي والإسلامي. التظاهرات التي عمّت مدناً وعواصم في أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا لم تكن مجرد امتداد لحراك عربي أو إسلامي، بل شارك فيها طلاب ومجموعات مدنية ونقابية وسياسية وأكاديمية من خلفيات متعددة. التحول في الرأي العام العالمي والمجتمع المدني يحمل دلالة استراتيجية مهمة: استطاعت القضية الفلسطينية أن تخترق الوجدان العالمي وأن تتحول إلى قضية حقوقية وإنسانية ذات حضور أممي متزايد. المحرك الأساسي لهذا التحول هو المظلومية الفلسطينية ذاتها وما رافق الحرب من مشاهد قتل ودمار ونزوح ومعاناة إنسانية. وهكذا أصبحت القضية تتحرك في ثلاثة مستويات متداخلة: الذاكرة الفلسطينية، والوجدان العربي والإسلامي، والضمير الإنساني العالمي.
رغم النتائج البشرية والميدانية الكارثية التي ترتبت على طوفان الأقصى بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن الحدث أحدث داخل المجتمع الإسرائيلي صدمة وعيٍ حول مفهوم الأمن نفسه. لم يكن الحدث دليلاً على أن إسرائيل فقدت تفوقها العسكري، لكنه أثبت أن التفوق العسكري لا يعني الحصانة المطلقة. إسرائيل تستطيع امتلاك أقوى الأسلحة وأنظمة الدفاع، لكنها لا تستطيع ضمان عدم تمكن مجموعة مسلحة من اختراق منظومتها الأمنية في لحظة ما. هذا يعيد طرح سؤال يتوارى خلف جدار التفوق الإسرائيلي: هل تستطيع القوة وحدها أن تمنح مجتمعاً صغيراً حياة طبيعية في بيئة إقليمية مضطربة؟ كما كشفت المواجهات اللاحقة مدى أهمية الدعم الأميركي بالنسبة إلى إسرائيل في أوقات الأزمات الكبرى. التحالف مع الولايات المتحدة أصبح جزءاً أساسياً من معادلة ضمان الأمن الإسرائيلي.
لعقود، لم تكن إسرائيل مجرد متلقٍ للاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط، بل تمكنت بفعل تفوقها العسكري والاستخباري والتكنولوجي من التأثير في قواعد اللعبة الإقليمية. لكن المعادلة بدأت تتغير؛ فكلما اتسعت دائرة الحرب، ازدادت الحاجة إلى المظلة الأميركية. القوة التي كان يفترض أن تمنح إسرائيل استقلالاً استراتيجياً أكبر يمكن أن تؤدي، إذا أسيء استخدامها، إلى زيادة اعتمادها على الولايات المتحدة. هامش القرار الإسرائيلي المنفرد أخذ يضيق، وسيواصل تضاؤله، كلما ازدادت قراراتها ارتباطاً بمصالح أميركية أوسع في الإقليم. الولايات المتحدة لا تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية أمن إسرائيل وحده، بل من زاوية الطاقة والتجارة والممرات الاستراتيجية والمنافسة مع الصين وعلاقاتها مع السعودية ودول الخليج ومصر وسوريا والعراق وتركيا وسائر القوى المؤثرة.
منذ الولاية الأولى لدونالد ترامب، ظهر توجه أميركي نحو تحميل الحلفاء والشركاء الإقليميين قسطاً أكبر من مسؤولية أمنهم. هذه الفكرة تكشف اتجاهاً استراتيجياً أوسع: واشنطن تريد الحفاظ على نفوذها، لكنها لا تريد بالضرورة أن تبقى اللاعب الميداني المباشر في كل أزمة. الشرق الأوسط بالنسبة إلى الولايات المتحدة جزء من منافسة عالمية أوسع. ولذلك، فإن الدول العربية المقتدرة، ولا سيما منها دول الخليج، إلى جانب مصر وسوريا وتركيا وباكستان، أصبحت ذات أهمية استراتيجية لا تستطيع واشنطن تجاهلها. إعادة تشكيل الشرق الأوسط من جانب إسرائيل بصورة منفردة لا يمكن أن تكون محايدة بالنسبة إلى المصالح الأميركية.
تأتي أهمية اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في كونه مؤشراً على أن القوى الإقليمية بدأت تستعيد قدرتها على إنتاج ترتيباتٍ أمنية ردعية من داخل المنطقة. السعودية تمثل ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً، وتركيا قوة عسكرية وصناعية وتكنولوجية، وباكستان تضيف وزناً سكانياً وعسكرياً ونووياً استراتيجياً. عندما تلتقي هذه الأوزان في إطار دفاعي مشترك، مع انفتاح الاتفاق على انضمام دولٍ إقليمية أخرى وترحيب أميركي، فإن ذلك يعني أن الإقليم لم يعد ينتظر بالضرورة قوة خارجية واحدة كي تحدد له شكل أمنه وأدواته الردعية. هذا التطور لا ينبغي تفسيره بوصفه موجهاً ضد إسرائيل أو إيران، بل باعتباره دليلاً على انتقال الشرق الأوسط نحو تعدد مراكز القوة وإنتاج التوازن من داخله.
من المستحيل على إسرائيل أن تعيش طويلاً بوهم السيطرة المطلقة على المجال العربي. التفوق الإسرائيلي لا يسمح بإعادة هندسة المنطقة وفق الإرادة الإسرائيلية وحدها. إسرائيل تستطيع التأثير والردع وبناء التحالفات وتحقيق التفوق العسكري، لكنها لا تستطيع التحكم بمسار المنطقة كلها. القاعدة نفسها تنطبق على إيران. لقد تمكنت طهران من بناء مجال نفوذ واسع، لكن النفوذ ليس سيادة، والشبكة المسلحة ليست دولة. فالعراق ليس إيران، وسوريا ليست إيران، ولبنان ليس إيران، واليمن ليس إيران. وهكذا اصطدم مشروع "إيران الكبرى" بحدود الجغرافيا والسيادة والديموغرافيا وتعدد مراكز القوة. والأمر نفسه ينطبق على مشروع "إسرائيل الكبرى". اصطدم المشروعان الإسرائيلي والإيراني بحدّ بنيوي واحد: لا تستطيع قوة إقليمية تحويل مجال جغرافي وديموغرافي واسع إلى امتداد دائم لإرادتها، لأن الجغرافيا لا تُختزل بالقوة، والديموغرافيا ليست مجرد أرقام، والتاريخ لا يمكن إعادة تشكيله بإرادة طرف واحد.
لا توجد مشكلة في أن تمتلك إسرائيل القوة. المشكلة تبدأ عندما تتحول القوة من أداة لحماية الدولة إلى بديل من السياسة. الانتصار العسكري يمكن أن يوقف هجوماً، لكنه لا يستطيع وحده إنهاء قضية سياسية. تدمير بنية عسكرية لا يعني تدمير ذاكرة جماعية. إضعاف تنظيم لا يعني القضاء على فكرة تتوارثها أجيال. القوة تؤدي إلى حرب، والحرب تعيد إنتاج المظلومية، والمظلومية تعيد إنتاج القضية، والقضية تنتقل إلى جيل جديد، والجيل الجديد يعيد تقديمها بلغة عالمية، فتتسع دائرة التعاطف معها ويزداد الضغط السياسي والأخلاقي على إسرائيل. وهكذا يمكن الأداة التي يفترض أن تحمي إسرائيل أن تنتج جزءاً من البيئة التي تجعل أمنها أكثر صعوبة. هنا يصبح "نحر الذات" مفهوماً تحليلياً.
إن تفكيك المنظومة الفكرية التي تحكم اليمين الإسرائيلي يتطلب وضع النتائج أمام القارئ وطرح أسئلة يصعب تجاوزها: ماذا حقق اليمين الإسرائيلي، بعد عقود من الاعتماد المتزايد على القوة والقمع، سوى مزيد من الحروب والضحايا والدمار، من دون أن يتمكن من إنتاج سلام مستدام؟ هل استطاعت القوة أن تمنح الإسرائيليين شعوراً دائماً بالأمن، أم جعلت الأمن أكثر ارتباطاً بالتعبئة العسكرية والحماية الخارجية؟ هل أدى التشدد في التعامل مع الفلسطينيين إلى إضعاف القضية الفلسطينية، أم ساهم في إعادة إنتاجها لدى أجيال جديدة ونقلها من المجال العربي والإسلامي إلى المجال العالمي؟ هل أدى السعي إلى فرض الوقائع بالقوة إلى تعزيز مكانة إسرائيل الإقليمية، أم دفع القوى المحيطة بها إلى إعادة تنظيم قدراتها وتحالفاتها؟ هذه أسئلة حول صلاحية العقيدة التي تفترض أن القوة وحدها تستطيع صناعة الأمن والسلام. فإذا كانت القوة قد حققت الأمن، فلماذا لم يتحول كل هذا التفوق إلى سلام؟
إذا كان الهدف هو الحفاظ على حياة الإسرائيلي في دولته، فإن السؤال يجب أن ينتقل من كيفية تحقيق التفوق إلى كيفية إنتاج بيئة تسمح بالحياة. الدولة لا تقاس فقط بعدد الصواريخ التي تعترضها، بل بقدرتها على توفير مجتمع يستطيع أن يعيش ويعمل ويستثمر ويبني الأسر ويستبقي شبابه وكفاءاته، ويشعر بأن المستقبل مشروع حياة لا مشروع حرب. السلام مع الفلسطينيين ليس خدمة تقدمها إسرائيل للفلسطينيين، بل يمكن أن يكون استثماراً إسرائيلياً في شروط الحياة داخل إسرائيل نفسها. إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، ضمن تسوية سياسية وضمانات أمنية إقليمية ودولية، يمكن أن يحول العلاقة بين إسرائيل ومحيطها من علاقة صراع دائم إلى علاقة مصالح متبادلة. الجغرافيا التي صنعت الصراع يمكن أن تصبح أساساً للتعاون، والديموغرافيا التي تثير القلق يمكن أن تتحول إلى سوق ومجال اقتصادي، والذاكرة التي تنتج العداء يمكن أن تبدأ في إنتاج المصالحة. لكن ذلك يتطلب الاعتراف بأن القوة لا تستطيع فرض السلام الإسرائيلي على الفلسطينيين، بل تستطيع فقط أن تفتح الطريق أمام سلام متبادل أو تغلقه.
تقف إسرائيل أمام خيارٍ استراتيجي لا يتعلق بقدرتها على خوض حرب جديدة، بل بقدرتها على إنتاج مستقبل مختلف. الدول التي تجعل الأيديولوجيا والقوة بديلاً من السياسة قد تجد نفسها أمام مفارقة أن تتحول أدوات حماية المشروع إلى عوامل تهدد ديمومة استمراره. يمكن لإسرائيل أن تواصل الاعتماد على القوة، وأن تؤجل التسوية السياسية، وأن تتعامل مع محيطها العربي باعتباره مشكلة أمنية دائمة. وبالمثل، تستطيع إيران أن تواصل الرهان على القوة والنفوذ. لكن كلا المسارين يقودان إلى مفارقة خطيرة: كلما ازدادت حاجة الدولة إلى القوة لحماية استمرار مشروعها، أصبحت ديمومته أكثر ارتباطاً باستمرار القوة. هنا يتحول الأمن من حالة طبيعية إلى حالة تعبئة دائمة، والاستقرار إلى هدنة بين حربين، والمستقبل إلى انتظار للمواجهة مع الأجيال القادمة. هذا هو معنى "نحر الذات"؛ ليس بوصفه سمة إسرائيلية حصراً، وإنما بوصفه نتيجة محتملة لتحول الأيديولوجيا إلى قاعدة لمشروع دائم لإعادة تجديد الصراع وتشكيل الإقليم بالقوة. ليس المقصود أن إسرائيل ستنهار غداً، ولا أن زوالها حتمي، وإنما أن السياسة التي يفترض أن تحميها يمكن أن تصبح، إذا استمرت من دون مراجعة، عاملاً في تقويض شروط الحياة الآمنة داخلها. الأمر نفسه ينطبق على المشروع الإيراني. فلا إسرائيل تستطيع أن تبتلع محيطها العربي، ولا ايران تستطيع أن تبتلع المشرق العربي. فالجغرافيا أكبر من المشروع، والديموغرافيا أبقى من القوة، والزمن أقدر على إعادة إنتاج التاريخ والحفاظ على أثره من أي انتصار عسكري موقت. ولعل التحولات الإقليمية الأخيرة، وفي مقدمها إعادة بناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، تقدم بيّنة على أن المنطقة نفسها بدأت تستعيد قدرتها على إنتاج توازناتها. هنا تتقاطع التجربتان الإسرائيلية والإيرانية: كلاهما اكتشف عجز القوة وحدود تحويلها إلى قدرة دائمة على إعادة هندسة الإقليم. المشكلة ليست في أن تكون إسرائيل قوية، ولا في أن تكون إيران قوية؛ وإنما في الاعتقاد أن القوة تستطيع أن تحل محل السياسة، وأن النفوذ يستطيع أن يحل محل قبول المجتمعات، وأن التفوق يستطيع أن يلغي الجغرافيا والديموغرافيا والزمن. ومن هنا فإن السلام مع الفلسطينيين والمصالحة مع المحيط العربي لا ينبغي أن يُنظر إليهما باعتبارهما تنازلاً إسرائيلياً، بل باعتبارهما شرطاً من شروط الحياة التي يحتاجها الإسرائيلي داخل دولته. والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل سؤال آخر ليس هل تستطيع إسرائيل أن تنتصر في الحرب المقبلة؟ وإنما: هل تستطيع إسرائيل أن تبني حياة آمنة ومستقرة لأجيالها، وهي ترفض المصالحة والمصارحة السياسية والأمنية مع وقائع الجغرافيا والديموغرافيا المحيطة بها وحقائقها، وتتعامل مع بعدها الوجودي بمنطق القوة وحدها؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة