الأيديولوجيا: رحلة في مفهوم معقد ومتنازع عليه عبر التاريخ


هذا الخبر بعنوان "الأيديولوجيا" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قدم الدكتور عزمي بشارة للموسوعة العربية- أرابيكا إسهاما فكريا جديدا من خلال مدخل موسوعي عنوانه "الأيديولوجيا"، يتضمن تطويرًا لمفهوم الأيديولوجيا ومناقشة النظريات حولها. تُعرّف الأيديولوجيا بأنها منظومة فكرية تتضمن مبادئ وقيمًا وموجّهات للفعل، وتشتمل على مكوّن معرفي أساسي قد يستند إلى نظريات علمية وتصورات للواقع وسرديات تاريخية. يجمع المركبان المعرفي والأخلاقي علاقة تبريرية، وتتبناها فئة اجتماعية أو أكثر ذات وزن.
للأيديولوجيا علاقة بالسياسة في نقد النظام الاجتماعي-السياسي القائم أو تبريره والدعوة إلى نظام بديل، وتتوسط هذه العلاقة القوى أو الأحزاب التي تحملها. المصطلح مختلف عليه، وقد تغير معناه عبر تاريخه، ولا يدور الخلاف على وصف ظاهرة قائمة، بل على تحديد المفهوم كأداة تحليلية لفهم هذه الظاهرة التي تشكّل أحد أهم أشكال الإدراك الجمعي لواقع المجتمعات والدول. ومن هذه الزاوية، يندرج المصطلح في عداد "المفاهيم المتنازع عليها جوهريًا".
نشأت الأيديولوجيا بعد الثورة الصناعية والعلمية وما تلاها من تضعضع دور المرجعيات التقليدية، ونشوء الحركات الجماهيرية، وطرح أفكار ورؤى متنافسة. استُخدم المصطلح غالبًا في سياق علم اجتماع الأفكار، أي الربط بين الفكر والبيئة الاجتماعية والظروف التي ينشأ فيها.
صاغ اللفظ أنطوان دستوت دو تراسي سنة 1797 تسميةً لعلم الأفكار (Science des idées)، ثم قلب نابليون دلالته بوصف الفلاسفة المنهمكين به بـ "الأيديولوجيين" المتعالمين. عدّ كارل ماركس المؤسس الأول لمبحث الأيديولوجيا، حيث نسب، ومعه فريدريش إنغلز، ظهور البشر وعلاقاتهم منقلبين رأسًا على عقب في الوعي الأيديولوجي إلى العلاقات الاجتماعية القائمة. وطرحا فكرة أساسية مفادها أن "أفكار الطبقة السائدة في كل عصر هي الأفكار السائدة"، لأن من يملك وسائل الإنتاج المادي يملك وسائل الإنتاج الفكري.
كرّس هذا التقليد نقد الأيديولوجيا باعتبارها بنية معرفية تعمّم مصالح خاصة وكأنها كونية، وتطبّع الاستغلال أو تبرّره. وتفرعت في القرن العشرين تصورات ماركسية متنافسة، فقد جرّد لينين المفهوم من شحنته السلبية حين تبنى موقفًا مفاده أن الطبقة العاملة أيضًا لديها أيديولوجيا. وشدد أنطونيو غرامشي على إمكانية تحقيق "الهيمنة" الأيديولوجية الطبقية من خلال مؤسسات المجتمع المدني.
وشدد لوي ألتوسير على الفرق بين العلم والأيديولوجيا إلى درجة القطيعة الإبستيمولوجية، عادًا الأيديولوجيا بنية أبدية "لا تاريخ لها"، ولها وجود مادي في "أجهزة الدولة الأيديولوجية". ودرس كارل مانهايم الموضوع في سياق تقديمه لدعوته إلى تأسيس سوسيولوجيا المعرفة، مميزًا بين "المفهوم الجزئي" و"المفهوم الكلي" للأيديولوجيا.
من خارج هذا التقليد، قدّم كليفورد غيرتس مقاربة ثقافية ترى الأيديولوجيا "نسقًا ثقافيًا"، إنها منظومات من الرموز المتفاعلة التي تسبغ المعنى على وقائع وأوضاع اجتماعية. وجمع جون طومسون بين إسباغ المعنى والسلطة، فإسباغ المعنى هذا لا يحصل عبثًا أو في فراغ، بل في خدمة السلطة.
وعلى الرغم من تراجع رواج مصطلح الأيديولوجيا أمام "الهوية" و"الخطاب" و"السردية" بفعل نقد ما بعد البنيوية وما بعد الماركسية، فقد عادت المقاربات المعاصرة إلى تحديده، فالأيديولوجيات عند مايكل فريدن "ترسم لنا خرائط العالمين السياسي والاجتماعي"، ولا غنى عنها لإضفاء المعنى على العوالم التي نقطنها.
انشغل الفكر العربي الحديث بالمفهوم من زاوية علاقته بإشكاليات النهضة والتحديث ومسؤولية الأفكار عن الواقع، فرآه عبد الله العروي مفهومًا اجتماعيًا تاريخيًا يمثّل "تراكم معانٍ". وميّز جورج طرابيشي في الماركسية ذاتها بين مكوّن علمي وآخر أيديولوجي. وحمّل ياسين الحافظ "الأيديولوجيا المهزومة" قسطًا من مسؤولية هزيمة 1967. ووصف محمد عابد الجابري الأيديولوجيا العربية المعاصرة بأنها "غير مطابقة" لأن مرجعيتها المعرفية واقعان غير الواقع العربي الراهن.
يتأرجح تحديد الأيديولوجيا بين كونها منظومة تسبغ المعنى على الظواهر الاجتماعية، وكونها مركّبًا معرفيًا وقيميًا في خدمة توجه سياسي تتبناه فئة اجتماعية، وكونها وعيًا زائفًا يبرّر علاقات السيطرة القائمة. لكن أي تعريف أحادي يقع في الاختزال، إذ يمكن أن تكون بناءً رمزيًا وأداة هيمنة وانعكاسًا لصراع قوى اجتماعية في آن واحد.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة