الإمام الصدر: تحويل قضية الجنوب من ضحية إلى قضية سيادية ووطنية


هذا الخبر بعنوان "الإمام المغيّب السيد موسى الصدر حول الجنوب من ضحية الى قضية..." نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في رسالته الشهيرة عام 1969 إلى أعضاء البرلمان اللبناني، صاغ الإمام السيد موسى الصدر معادلة ربطت وجود لبنان بسلامة جنوبه. الدكتور طلال حاطوم، أمين سر نقابة الصحافة في لبنان، وصف الكتابة عن الإمام المغيب بأنها كالكتابة على حافة جرح لا يندمل، مؤكداً حضوره الفكري والعاطفي والرؤيوي الدائم. وأضاف: "سيدي الإمام الصدر: ما زلنا نأكل من معجن خبزك، ونستلهم من معين فكرك، ونقوى بالتزام نهجك. أيها الجامع لكل ألوان الطيف اللبناني... يا سيد وإمام الوطن والمقاومة، نحن لا نزال على العهد والوعد نحمل مشعل فكرك... نطمئن اللبنانيين إلى أن خطّك ونهجك باقيان بأمانة الرئيس نبيه بري". وأشار إلى أن حتى الخصوم في السياسة يستشهدون بأقواله وتعاليمه، مضيفاً: "سيدي طال الغياب ولكننا على أمل اللقاء".
شهد جنوب لبنان في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين مرحلة حرجة تميزت بالاعتداءات الإسرائيلية المستمرة والتهميش الاقتصادي. في هذا السياق، برز دور الإمام المغيب السيد موسى الصدر الذي أحدث نقلة نوعية في التعاطي مع الأزمة، محولاً قضية الجنوب من مشكلة مناطقية إلى قضية سيادية تمس الكرامة الوطنية اللبنانية. ركز الإمام الصدر لحماية الجنوب على محاور أساسية منها: تجاوز الطائفية عبر تأسيس "هيئة نصرة الجنوب" عام 1970، والضغط على السلطة المركزية بقيادته للإضراب الوطني الشامل في أيار 1970 لتخصيص ميزانيات تدعم صمود القرى الأمامية وتأسيس "مجلس الجنوب". كما عمل على تدويل القضية عربياً عبر زياراته للعواصم العربية لإقناع القادة العرب بأن أمن الجنوب جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.
تجلت فلسفة المقاومة عند الإمام الصدر كمنظومة متكاملة لا تقتصر على العمل العسكري، بل ترتكز على مواجهة الجهل والحرمان. كانت المقاومة واجباً دينياً ووطنياً، وأطلق شعار "إسرائيل شر مطلق والتعامل معها حرام". كما أسس "أفواج المقاومة اللبنانية (أمل)" عام 1975 كقوة دفاعية شعبية لمساندة الجيش اللبناني. وربط الصمود العسكري بالعدالة الاجتماعية، مؤكداً أن إهمال الدولة وتهميش أهالي الجنوب يخدم أهداف الاحتلال.
رؤية "التنمية والتحرير" كانت سلاحاً سلمياً موازياً للسلاح العسكري. عمل الإمام الصدر على تدعيم التنمية عبر مشاريع الصمود مثل إنشاء المهنيات (مؤسسة جبل عامل المهنية في صور) ومراكز الرعاية الصحية لربط الشباب بأرضهم. كما اعتبر العيش المشترك خط دفاع أساسي، مؤكداً أن وحدة اللبنانيين في الجنوب هي السد المنيع الذي يفشل المخططات الإسرائيلية.
في رسالته الشهيرة عام 1969، أكد الإمام الصدر أن "لبنان دون منطقة الجنوب أسطورة، وإن لبنان مع جنوب ضعيف ومستباح جسم مشلول... إن أمن الجنوب ليس شأناً مناطقياً، بل هو محك السيادة والكرامة الوطنية لكل لبناني".
في المحاضرات والخطابات، أطلق الإمام الصدر جملته التاريخية "إسرائيل شرّ مطلق، والتعامل معها حرام، والقبول بها طعنة في صدر الإنسانية... ومواجهتها واجب وطني وديني وإنساني". وفي عام 1975، عند الإعلان عن ولادة "أفواج المقاومة اللبنانية - أمل"، وجه كلمته لأبناء القرى الحدودية: "إذا التقيتم العدو الإسرائيلي، فقاتلوه بأظافركم، وبأسنانكم، وبسلاحكم المتاح مهما كان بسيطاً... إن الدفاع عن الأرض هو صيانة للعرض وللوجود". ومن منبر "كنيسة الكبوشيين" عام 1975، أكد أن السلاح الأقوى هو تماسك النسيج الاجتماعي اللبناني: "إن التعايش الإسلامي المسيحي في لبنان هو ثروة يجب التمسك بها... وحدة اللبنانيين هي السد المنيع الذي يحمي الجنوب ويصون الوطن".
قدم الإمام الصدر رؤية شاملة للبنان عبر "ورقة عمل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان" عام 1977، والتي سلمها للرئيس إلياس سركيس. أكدت الوثيقة على نهائية الكيان والهوية اللبنانية، وتطوير الديمقراطية البرلمانية، وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها، لا سيما في الجنوب. كما دعت إلى العدالة الاجتماعية وإلغاء "الحرمان والمناطقية"، وإصلاح الإدارة والقضاء. وركزت على ضرورة نشر الجيش اللبناني في الجنوب، وعلى أن السلاح الأمضى للبنان هو وحدته الداخلية والعيش المشترك.
شكل حراك الإمام السيد موسى الصدر محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، إذ نجح في نقل قضية الجنوب من دائرة الإهمال إلى قلب المعادلة السياسية والسيادية الوطنية. إن الجمع بين التنمية المؤسساتية، وبناء عناصر المقاومة الشعبية، والتمسك بالعيش المشترك، وضع الأسس المتينة التي انطلقت منها لاحقاً مسيرة تحرير الأرض وتنمية الإنسان، والتي واصل توثيقها وقيادتها دولة الرئيس نبيه بري.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة