فوضى الدراجات النارية في لبنان: صراع بين القانون والفقر وأزمة مواصلات مستجدة


هذا الخبر بعنوان "مشكلة الدراجات في لبنان: القانون في مواجهة الفقر" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة مفاجئة، اتخذت الحكومة اللبنانية، ممثلة بوزارة الداخلية، قراراً حاسماً لمواجهة مشكلة مستعصية تفاقمت في السنوات الأخيرة، وجعلت التنقل في المدن، سواء بالسيارات أو سيراً على الأقدام، أمراً محفوفاً بالمخاطر وصعباً للغاية. تأتي هذه التحركات في ظل انقسام سياسي حاد يشهدها لبنان حول قضايا جوهرية مثل المفاوضات مع إسرائيل، وسلاح حزب الله، والعلاقة مع الولايات المتحدة وإيران، بالإضافة إلى مشاكل أخرى لا حصر لها يعاني منها اللبنانيون، وقد اعتادوا على التعايش معها بصعوبة بالغة، مثل الغذاء والتعليم والصحة والكهرباء والماء والنفايات والمواصلات والاتصالات. في ظل عجز الدولة عن معالجة هذه الأزمات، اضطر المواطنون إلى إيجاد بدائل فرضتها الضرورة.
تُعد ظاهرة الانتشار الواسع للدراجات النارية أزمة حقيقية تتطلب حلاً جذرياً، خاصة بعد فشل محاولات سابقة على مدى عقدين من الزمن. يُقدر عدد الدراجات النارية في لبنان بحوالي مليون ونصف مليون، نصفها فقط مسجل بشكل قانوني، بينما الباقي غير شرعي. وتستمر عمليات الاستيراد المفتوحة، حيث تدخل البلاد سنوياً حوالي 50 ألف دراجة جديدة تباع في الشوارع والمحلات التجارية.
نظرياً، يخضع سائقو الدراجات لقانون السير، بما في ذلك المسؤولية عن الحوادث والأضرار، بالإضافة إلى شروط إضافية مثل إلزامية ارتداء الخوذة وتحديد عدد الركاب بشخصين كحد أقصى. إلا أن الدولة عجزت عن تطبيق القانون، أو ربما فضلت غض الطرف، في ما يشبه التواطؤ مع سائقي الدراجات. مع تزايد الأصوات المطالبة بوضع حد لفوضى الدراجات وحوادثها، تحركت الدولة، لتنشأ معادلة جديدة: القانون في مواجهة الفقر. فغالباً ما يكون مستخدمو الدراجات من الفئات الفقيرة التي اتخذت منها وسيلة للتنقل الرخيص وللعمل ونقل الركاب والطلاب في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة. وفي المقابل، تصاعدت الأصوات المنددة بإجراءات الدولة لفرض النظام، مما أدى إلى صراع يبدو أن الدولة ستخسر فيه.
على الرغم من أن غالبية سائقي الدراجات هم من الفقراء، إلا أنهم يحظون بدعم من نواب وأحزاب وشخصيات ترى فيهم ناخبين وأتباعاً. كما أن هناك فئة من هؤلاء السائقين تنخرط في أعمال تشليح وإزعاج للمارة وممارسة ألعاب خطرة على الطرقات، بالإضافة إلى العاطلين عن العمل وهواة ركوب الدراجات دون هدف محدد. لقد تركت الدولة المشكلة تتفاقم تحت أعين أجهزتها الأمنية المتراخية، حتى أصبحت أكبر من قدرتها على المعالجة بالزجر. فإيقاف مليون ونصف مليون دراجة أمر شبه مستحيل، وكل دراجة تصادر يُدخل مكانها عشر دراجات جديدة، خاصة مع استمرار الاستيراد المفتوح وحماية المستوردين قانونياً وسياسياً.
أصبحت الدراجة النارية حاجة اقتصادية واجتماعية، وهي موجودة في مدن العالم المتقدمة، لكنها تخضع هناك للنظام والقوانين وأخلاقيات المجتمع. لا يمكن منع الدراجات مع تزايد نمط التوصيل (الدليفري) الذي فرضه نمط الحياة السريع والتجارة الرقمية. بينما تحدث الدول المتقدمة قوانينها لتواكب وسائل النقل الحديثة، تظل القوانين في لبنان إما غير مطبقة أو غير محدثة. في ظل دولة فقيرة مالياً، وغير كفؤة إدارياً، وقادة يفتقرون للرؤية، وشعب غير متكيف مع ثقافة الالتزام بالقانون، يصبح حل المشاكل المشتركة أمراً صعباً. تلتقي الدولة والفقراء فقط في صناديق الانتخاب.
مشكلة جديدة تلوح في الأفق: التوكتوك. فقد فتحت أبواب استيراده كما الدراجات النارية، وأصبح يشكل ظاهرة مماثلة، فهو وسيلة نقل رخيصة تعوق السير وتشكل خطراً على مستخدميها، فضلاً عن تشويهه للمنظر العام. أصحاب التوكتوك أيضاً فقراء ويتخذونه وسيلة للعيش، ومن المتوقع أن تتكاثر هذه الظاهرة حتى تصبح عصية على الحل. في مصر، عندما تحول التوكتوك إلى مشكلة كبرى، اتخذت الدولة إجراءات لتقليص نطاق استخدامه وتوفير بدائل بأسعار معقولة للفئات الشعبية. إن مشكلة الفقر هي مسؤولية الدولة، وكذلك مشكلة الفوضى، لكن الدولة اللبنانية مريضة وتفضل تحسين أوضاع النواب بزيادة رواتبهم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة