لبنان
اقتصاد

الأثرياء يبنون «محافظ سيادية»: جنسيات وإقامات متعددة لتأمين المستقبل المالي والعائلي

النهار٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٤٤ م0 مشاهدة
الأثرياء يبنون «محافظ سيادية»: جنسيات وإقامات متعددة لتأمين المستقبل المالي والعائلي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا يبني الأثرياء محافظ من الإقامات والجنسيات؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد هدف الأثرياء يقتصر على الهجرة النهائية إلى بلد واحد، بل أصبحوا يوزعون حياة أسرهم وأعمالهم وخياراتهم القانونية بين عدة بلدان، يؤدي كل منها وظيفة محددة. يتعامل عدد متزايد من أصحاب الثروات مع الإقامة والجنسية كجزء من التخطيط المالي والعائلي طويل الأجل. فبدلاً من الاكتفاء بجواز سفر واحد، يجمع البعض بين إقامة في مركز أعمال، وأخرى تفتح باباً إلى أوروبا، وجنسية ثانية توسع حرية السفر وتمنح الأسرة خياراً احتياطياً.

على غرار المستثمرين الذين لا يضعون كل أموالهم في سهم واحد، لم يعد بعض الأثرياء يرغبون في ربط مستقبل أسرهم وأعمالهم ببلد واحد. ولذلك، بدأوا في تجميع حقوق قانونية موزعة بين بلدان عدة: إقامة هنا، وجنسية هناك، وحق في العمل أو الدراسة أو تأسيس الأعمال في مكان ثالث. هذا لا يعني بالضرورة أنهم يوزعون إقاماتهم بين هذه البلدان أو يستعدون لمغادرة أوطانهم، بل إنهم يشترون ما يمكن وصفه بـ«الخيارات»: مكان يمكن الانتقال إليه، وجواز يسهل السفر، وإقامة تمنح الأبناء فرصة تعليمية، وقاعدة لإدارة الأعمال والأصول إذا تغيرت الظروف.

يطلق العاملون في قطاع الهجرة الاستثمارية على هذا الترتيب اسم «المحفظة السيادية»، وهي مجموعة متكاملة من الإقامات والجنسيات. الفكرة تكمن في اختيار دول تؤدي كل منها وظيفة محددة في حياة الأسرة، بدلاً من البحث عن دولة واحدة تقدم كل شيء. على سبيل المثال، قد تكون دولة الإمارات العربية المتحدة قاعدة للأعمال وإدارة الثروات بفضل موقعها الاستراتيجي وخيارات الإقامة الطويلة. وقد توفر إقامة في البرتغال أو اليونان موطئ قدم أوروبياً وإمكانية التنقل داخل فضاء شنغن، بينما تمنح جنسية كاريبية ثانية وصولاً أسهل إلى عدد من البلدان. وقد يضيف مستثمر إقامة دائمة في الولايات المتحدة أو نيوزيلندا كخيار طويل الأجل لتعليم أبنائه أو استقرار أسرته.

تشير بيانات شركات القطاع إلى اتساع هذا الاتجاه. ففي الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، تلقت شركة «هينلي أند بارتنرز» للاستشارات الدولية طلبات من 86 جنسية على 47 برنامجاً حول العالم، وكان أكثر من 28% من المتقدمين يعيشون خارج بلدان جنسياتهم. هؤلاء لا يخوضون بالضرورة تجربة الهجرة الأولى، بل يضيفون بلداً جديداً إلى حياتهم الموزعة جغرافياً.

لا يقتصر الطلب على حاملي الجوازات التي تفرض قيوداً واسعة على السفر. فقد شكل الأميركيون، وفق «هينلي أند بارتنرز»، أكثر من 30% من طلبات الهجرة الاستثمارية التي تلقتها خلال جزء من عام 2025. فالجواز الأميركي قوي، لكن بعض حامليه يبحثون عن إقامة أوروبية، أو فرصة تعليمية لأبنائهم، أو قاعدة ثانية للأعمال، أو مكان يمكن الانتقال إليه إذا قرروا تغيير نمط حياتهم. وهكذا، لم تعد الجنسية الثانية تعويضاً عن جواز محدود فقط، بل أصبحت أداة تخطيط حتى لدى حاملي أقوى جوازات العالم.

تبدأ عملية بناء المحفظة عادة بالسؤال عن احتياجات الأسرة، وليس عن عدد البلدان التي يمكن دخولها بدون تأشيرة. فصاحب شركة مع الشرق الأوسط وآسيا قد يفضل الإقامة في الإمارات، بينما يبحث من يخطط لتعليم أبنائه في أوروبا عن برنامج يفتح طريقاً إلى إقامة أطول أو جنسية مستقبلاً. أما رجل الأعمال كثير السفر، فقد يعطي الأولوية لجواز يخفف حاجته إلى التأشيرات المسبقة.

تختلف الإقامة عن الجنسية في طبيعة الحقوق التي تمنحها. تتيح الإقامة العيش في بلد لفترة محددة أو دائمة، وقد تسمح بالعمل والاستثمار وإلحاق الأبناء بالمدارس، لكنها لا تمنح حاملها بالضرورة جواز الدولة أو حقوق مواطنيها. أما الجنسية فتنشئ علاقة قانونية أكثر ثباتاً، ويمكن نقلها إلى الأبناء. ولا تجعل الإقامة القانونية حاملها مقيماً ضريبياً تلقائياً؛ فذلك يعتمد على مدة الوجود الفعلي، ومكان الأسرة والمصالح الاقتصادية، وقوانين البلدان والاتفاقات الضريبية.

لذلك، لا تُبنى المحفظة الناجحة بجمع أكبر عدد ممكن من الوثائق، بل باختيار أوضاع قانونية متكاملة يمكن الحفاظ عليها دون تعارض. تتنافس الدول على موقع داخل هذه المحافظ. تمنح الإمارات إقامات لخمس أو 10 سنوات لفئات من المستثمرين ورواد الأعمال وأصحاب المواهب. وتتيح البرتغال الإقامة عبر توظيف رأس المال في صناديق استثمارية مؤهلة، أو دعم الثقافة والبحث العلمي، أو تأسيس شركة وتوليد وظائف، بعد إلغاء المسار العقاري في 2023. أما اليونان فواصلت برنامجها المرتبط بالعقار، مع حدود استثمارية تختلف بحسب المنطقة. وفي الكاريبي، تمنح دول مثل دومينيكا وغرينادا وسانت كيتس ونيفيس الجنسية مقابل مساهمة في صندوق حكومي أو استثمار عقاري معتمد. ومنذ يوليو 2024، اتفقت دول في المنطقة على حد أدنى يبلغ 200 ألف دولار، بالتوازي مع تعزيز التدقيق وتبادل المعلومات لحماية سمعة البرامج وقيمة الجوازات.

لا تقوم المقارنة على السعر وحده. ينظر المستثمر إلى قوة الجواز، والاستقرار القانوني، وسهولة إضافة أفراد الأسرة، ومتطلبات الوجود الفعلي، وفرص التعليم والأعمال، وإمكانية الحفاظ على الوضع القانوني عبر الأجيال. هكذا يتحول جواز السفر من وثيقة تُبرز عند الحدود إلى أصل غير مالي داخل ثروة الأسرة. هو لا يدر أرباحاً مباشرة، لكنه قد يوفر الوقت، ويوسع نطاق الحركة والعمل، ويفتح أمام الأبناء فرصاً جديدة، ويترك للأسرة أكثر من باب حين تحتاج إلى الاختيار.

شارك الخبر: