لبنان
سياسة

لبنان يلغي عقوبة الإعدام: خطوة نحو عدالة إنسانية أم تهاون مع الجريمة؟

النهار٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:١٢ م0 مشاهدة
لبنان يلغي عقوبة الإعدام: خطوة نحو عدالة إنسانية أم تهاون مع الجريمة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لبنان يلغي عقوبة الإعدام فهل نحافظ على هيبة العدالة ?" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في خطوة تاريخية ذات أبعاد قانونية وإنسانية عميقة، صادق مجلس النواب اللبناني على إلغاء عقوبة الإعدام، ليصبح لبنان أول دولة عربية تتخذ هذا الإجراء تشريعياً. ورغم أن عقوبة الإعدام لم تُنفذ في لبنان منذ عام 2004، فإن إلغاءها من النصوص القانونية ينقل البلاد من مرحلة الامتناع عن التنفيذ إلى موقف تشريعي واضح: الدولة تعاقب، لكنها لا تقتل.

هذه الخطوة جديرة بالتقدير، إذ أن إلغاء عقوبة الإعدام لا يعني التساهل مع الجريمة أو التقليل من فداحتها، بل يعكس رؤية للعدالة ترفض إنهاء حياة إنسان كوسيلة للانتقام. فالحق في الحياة هو أصل الحقوق، والروح، وفقاً للمعتقدات الدينية، هي هبة من الله وحده. وبالتالي، لا يملك الإنسان الحق في إنهاء حياة إنسان آخر، مهما كانت بشاعة الجريمة المرتكبة.

ومع ذلك، فإن احترام حياة الجاني لا يعني التهاون في محاسبته. فبين الإعدام والإفلات من العقاب، تكمن مساحة واسعة تُعرف بالعدالة. ومن هذا المنطلق، يُعد السجن المؤبد الحقيقي بديلاً أكثر توازناً لعقوبة الإعدام في الجرائم الأكثر خطورة. فالدولة لا تسلب الجاني حياته، بل تسلبه حريته مدى الحياة، وتُحمّله مسؤولية فعل ارتكبه بإرادته. وبهذه الطريقة، تُصان الحياة من جهة، ويُحفظ حق الضحية والمجتمع في القصاص القانوني والردع من جهة أخرى.

لكن المفارقة تبرز مع إقرار قانون العفو العام في اليوم التالي، وما تضمنه من تخفيض للعقوبات التي كانت قد تصل إلى الإعدام إلى 28 سنة سجنية. هنا يصبح النقاش ضرورياً، لأن الإشكالية لا تكمن في معالجة اكتظاظ السجون، وهي أزمة حقيقية تتطلب حلولاً عاجلة، ولا في تبني مقاربة أكثر إنسانية لبعض العقوبات، بل في أن يؤدي هذا التخفيض إلى الإخلال بمبدأ أساسي من مبادئ العدالة الجنائية: التناسب بين جسامة الجريمة وشدة العقوبة. فالقتل العمد لا يفقد فداحته بإلغاء الإعدام، وتهريب المخدرات والاتجار بها لا يفقدان خطورتهما على المجتمع لمجرد تغيير السياسة العقابية للدولة.

وحين تتحول عقوبات الجرائم الأشد خطورة إلى مدد مؤقتة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت العقوبة لا تزال تحقق غايتها، وتحفظ الردع، وتعكس جسامة الفعل المرتكب. العدالة ليست انتقاماً، لكنها ليست تساهلاً أيضاً. وحقوق الإنسان لا تبدأ عند الجاني وتنتهي عنده؛ فللضحية حقوق أيضاً، ولعائلتها حق في عدالة توازي حجم الفقد، وللمجتمع حق في قانون يحميه ويشعره بأن الاعتداء على حياة الإنسان وأمنه لن يصبح جريمة ذات كلفة محدودة.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية لإلغاء عقوبة الإعدام لا تكتمل إلا ضمن سياسة جنائية متوازنة: تحمي الحق في الحياة من دون أن تفرّط بحق الضحية، وتتبنى الرحمة من دون أن تضعف الردع، وتعالج اكتظاظ السجون بإصلاح القضاء والسجون وتسريع المحاكمات، لا بمجرد اختصار العقوبات في الجرائم التي تستوجب أقصى درجات المحاسبة. لقد اختار لبنان، بإلغاء عقوبة الإعدام، أن ينتصر للحق في الحياة وأن لا تقتل الدولة باسم القانون. ويبقى التحدي أن ينتصر، في الوقت نفسه، لحق الضحية وهيبة القانون. تلك هي العدالة التي تليق بلبنان.

شارك الخبر: