معركة علي الطاهر: صراع على الأرض والسيادة في جنوب لبنان


هذا الخبر بعنوان "علي الطاهر... معركة كسر العظم على أرض الجنوب" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد تلال علي الطاهر مجرد مرتفع جغرافي في جنوب لبنان، بل أصبحت نقطة محورية تتكثف فوقها الصراعات. تسعى إسرائيل إلى تثبيت موطئ قدم عسكري لها في عمق الجنوب، بينما يرفض حزب الله تحويل الموقع إلى قاعدة إسرائيلية أو فرض معادلة أمنية جديدة على لبنان. وفي خضم هذا الصراع، تواجه الدولة اللبنانية تحديًا يتمثل في استعادة أرضها وسيادتها في ظل تنازع قوتين: قوة احتلال إسرائيلية وقوة عسكرية لبنانية غير خاضعة بالكامل لقرار الدولة.
تشهد منطقة علي الطاهر منذ أسابيع قصفًا إسرائيليًا عنيفًا وتحركات ميدانية تهدف إلى فرض واقع عسكري جديد. في المقابل، يؤكد حزب الله أن الموقع جزء أساسي من منظومته الدفاعية وأن أي محاولة إسرائيلية للسيطرة عليه ستواجه بالمقاومة. وقد صرح النائب عن الحزب حسن عز الدين في 18 آب 2026 بأن الحزب لن يتخلى عن تلة علي الطاهر وأن أي هجوم عليها سيُقابل بكل القدرات المتاحة. هذا التصعيد يشير إلى أن المسألة تتجاوز السيطرة على مرتفع إلى صراع على مستقبل الجنوب.
تكمن أهمية علي الطاهر في موقعها الاستراتيجي الذي يمنح من يسيطر عليها قدرة على الرصد والإشراف على مساحة واسعة من محيط النبطية والجنوب، وترتبط جغرافياً بمنظومة المرتفعات الممتدة باتجاه إقليم التفاح والريحان وقلعة الشقيف. تعتبرها إسرائيل جزءًا من منظومة أمنية تسعى لفرضها، بينما يراها حزب الله موقعًا استراتيجيًا يمنع تحويل المنطقة إلى مساحة مكشوفة أمام الجيش الإسرائيلي.
لم تكن معركة علي الطاهر في حزيران/ يونيو اشتباكًا عاديًا. فبعد إعلان إسرائيل في 26 حزيران/ يونيو فرض «السيطرة الكاملة» على التلة، سارع حزب الله إلى نفي ذلك مؤكدًا استمرار وجود مقاتليه. أصبحت كلمة «السيطرة» نفسها ساحة للمعركة، حيث تتحدث إسرائيل عن سيطرة عسكرية، بينما يتحدث حزب الله عن استمرار المقاومة، وتبقى الأرض اللبنانية موضع نزاع بين الروايتين. عاد الصراع إلى الواجهة في آب/ اغسطس مع استمرار الضربات الإسرائيلية والتوتر الميداني، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى مدنيين في 15 آب، وردت إسرائيل بأن عملياتها جاءت ردًا على هجمات نسبت إلى حزب الله. دخلت المنطقة في دائرة خطيرة من الفعل ورد الفعل، حيث تضرب إسرائيل لمنع إعادة بناء قدرات حزب الله، ويعتبر الحزب الضربات استمرارًا للاحتلال والعدوان، ليأتي الرد الإسرائيلي مؤكدًا عدم استقرار قواعد الاشتباق الجديدة.
تزداد خطورة القضية عند ربطها بالمفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية. لم تعد المسألة مقتصرة على وقف إطلاق النار، بل امتدت لتشمل مستقبل الجنوب بأكمله. تطالب إسرائيل بضمانات أمنية ونزع سلاح حزب الله جنوبًا، بينما يريد لبنان الانسحاب الإسرائيلي واستعادة سيادته، ويرفض حزب الله التخلي عن سلاحه في ظل استمرار الاحتلال. وفي 13 آب، أعلنت إسرائيل بوضوح أن انسحابها مرتبط بنزع سلاح حزب الله، مما يحول الوجود العسكري الإسرائيلي إلى ورقة ضغط سياسية على لبنان. تصبح علي الطاهر ورقة تفاوضية من العيار الثقيل، حيث يمنح الموقع الذي تستطيع إسرائيل تثبيت وجودها فيه قوة ضغط على لبنان، بينما يثبت الموقع الذي يستطيع حزب الله الدفاع عنه فشل إسرائيل في فرض سيطرتها الكاملة. لذا، فإن معركة التلة هي في جانب منها معركة على طاولة المفاوضات قبل أن تكون معركة على قمة جبل.
يطرح هذا الوضع سؤالًا لبنانيًا جوهريًا: ما معنى السيادة إذا بقيت إسرائيل داخل الأرض اللبنانية؟ وماذا يعني ذلك إذا بقي القرار العسكري موزعًا بين الدولة وقوة مسلحة خارج مؤسساتها؟ تكمن العقدة الحقيقية هنا. فإسرائيل ترى وجودها ضروريًا لأمنها، وحزب الله يعتبر سلاحه ضروريًا لمواجهة إسرائيل، بينما يتطلع اللبنانيون إلى دولة قادرة على حماية حدودها وأرضها دون احتلال ودون أن تخرج الحرب والسلم عن قرارها. أصبحت علي الطاهر مرآة للبنان كله، تعكس مأزق السيادة بأوضح صورة: إسرائيل لا تريد الانسحاب قبل ضمان أمنها ونزع سلاح حزب الله، وحزب الله لا يريد تسليم سلاحه فيما إسرائيل تحتل أرضًا لبنانية، والدولة اللبنانية تحاول إيجاد مخرج بين طرفين يملكان أدوات ضغط عسكرية وسياسية تفوق قدرتها على فرض حل منفرد.
يزداد الخطر عندما لا تتعامل إسرائيل مع علي الطاهر كهدف عسكري فقط، بل كجزء من تصور أوسع لتثبيت وجود عسكري في الجنوب. إذا تحول هذا الوجود الموقت إلى واقع دائم، فإن الخطر لا يعود محصورًا في التلة، بل يمتد إلى إعادة رسم الخريطة الأمنية للجنوب اللبناني. أضافت مسألة الأنفاق والمنشآت العسكرية تحت الأرض طبقة أخرى من التعقيد. تزعم إسرائيل أن حزب الله يمتلك بنى تحت الأرض في المنطقة وأنها تعمل على تدميرها، بينما تشير روايات أخرى إلى أن طبيعة هذه المنشآت تجعل السيطرة على سطح التلة وحدها غير كافية. تبقى التفاصيل الدقيقة لهذه المنشآت وأعداد الموجودين فيها موضوع تضارب بين الروايتين الإسرائيلية واللبنانية.
في خضم هذا الصراع، يجب ألا ننسى الحقيقة الأكثر قسوة: هذه ليست لعبة خرائط. خلف كل مرتفع قرية، وخلف كل غارة عائلة، وخلف كل معادلة استراتيجية إنسان يدفع الثمن. الجنوب لا يحتاج إلى حرب جديدة، بل إلى عودة أهله إلى أرضهم، ووقف الاعتداءات، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وقيام الدولة اللبنانية بمسؤوليتها الكاملة عن الأمن والسيادة. السؤال الحقيقي حول علي الطاهر لم يعد فقط: من يسيطر على التلال؟ بل: من يستطيع أن يحوّل السيطرة العسكرية إلى واقع سياسي دائم؟ قد تتغير خطوط السيطرة، وقد ترتفع أعلام وتسقط أخرى، لكن لبنان لن يكون منتصرًا إذا بقي الجنوب ساحة مفتوحة للحسابات الإسرائيلية والإقليمية والدولية. الانتصار الحقيقي هو أن تنسحب إسرائيل من الأرض اللبنانية، وأن تتوقف الاعتداءات، وأن يعود الأهالي إلى قراهم، وأن تتولى الدولة اللبنانية مسؤولية الأمن والدفاع، وأن لا يبقى أي شبر من الجنوب رهينة قرار عسكري إسرائيلي أو قرار عسكري خارج مؤسسات الدولة. علي الطاهر ليست مجرد سلسلة تلال في الحرب؛ إنها اختبار لمستقبل الجنوب كله. تريدها إسرائيل جزءًا من منظومة أمنية تفرضها بالنار، ويريدها حزب الله موقعًا للمقاومة في وجه إسرائيل، أما لبنان فيجب أن يريدها شيئًا ثالثًا: أرضًا لبنانية تحت سيادة الدولة اللبنانية وحدها. فالجنوب ليس ورقة، وليس ساحة اختبار، وليس جائزة حرب. الجنوب هو لبنان. وستبقى علي الطاهر، مهما اشتد القصف ومهما تبدلت رايات السيطرة، شاهدة على السؤال الأكبر: متى تصبح السيادة اللبنانية أقوى من الاحتلال، وأقوى من السلاح، وأقوى من كل الحسابات التي جعلت من أرض الجنوب ساحة مفتوحة منذ عقود؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة