لبنان
ثقافة

قراءة في مجموعة "اعترافات المسخ" لمحمد حاج حسين: تجسيد القبح كمعاناة إنسانية عميقة

المدن٢٣ آب ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٥ ص0 مشاهدة
قراءة في مجموعة "اعترافات المسخ" لمحمد حاج حسين: تجسيد القبح كمعاناة إنسانية عميقة

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""اعترافات المسخ" لمحمد حاج حسين: القبح تجربةً إنسانيّة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

ماذا يحدث للإنسان حين يسبق وجهه كلامه؟ يبدو السؤال كأنه يخص رجلاً بملامح مختلفة، لكنه في المجموعة الشعريّة الجديدة للكاتب والقاص السوري محمد حاج حسين الصادرة عن مرفأ للثقافة والنشر 2026 بعنوان "اعترافات المسخ" يمتد إلى مساحة أوسع.

يكتب محمد حاج حسين عن أشخاص يذهبون إلى العالم محمّليل بصور صنعها الآخرون لهم، وعن وجوه تتعب من شرح نفسها، وعن حياة يضطر فيها المرء إلى إخفاء جزء منه كي يستطيع المرور بين الناس. من هنا يكتسب عنوان المجموعة ثقله، فالمسخ في هذه القصص يبدأ من نظرة، ثم يجد طريقه إلى الداخل.

في قصته بعنوان "المسخ الذي اعترف أولاً" نلتقي رجلاً يعيش وحيداً، يعمل ضارب طبل في الأعراس، ثم يعود إلى عزلته. يعرف شكل الحياة من الخارج: يرى ضجيج الناس وفرحهم، بينما يحتفظ بحياته الخاصة. وحين يقرر النزول إلى السوق والسير في الشارع من دون القبعة والشال اللذين اعتاد الاحتماء بهما، تصرخ امرأة: "خبئوا الأولاد، هناك وحش طليق"، فينهال الناس عليه بالضرب. المشهد يحمل فكرته من داخله، فالرجل خرج إلى الشارع، لكن الجريمة جاءت من عيون الذين رأوه.

لذلك يبدو سؤاله أمام القاضي أكثر من مجرد دفاع عن نفسه: "فلماذا أحاكم على شكلي إذا كان لكم نحت مختلف، ولي نحت لا يروقكم؟". كلمة "نحت" هنا لافتة، فالناس ينحتون صورة للجميل والمقبول، وكل وجه يخرج عن القالب يثير الرغبة في تقويمه أو إبعاده. الجسد يتحول إلى نص يقرؤه الجميع بالطريقة التي يريدونها.

بعد هذه اللحظة، يبدأ معنى المسخ في الاتساع ليصبح القبح تجربة يعيشها المرء حتى حين يكون وحيداً مع نفسه. في موضع آخر، يقول الراوي: "وجهي في المرآة بشع"، ثم يربط الوجه بالقلب والنجمة البعيدة والأشياء جميلة التي فقدت قربها، لتأتي بعدها العبارة الأوضح: "القبح يسكن التفاصيل كلها".

تمنح الحرب والفقر والغربة المجموعة تماسكها، إذ تظهر بكثافة ويكون أثرها الأعمق في صورة الإنسان عن نفسه. فالشخص الذي فقد يده، والطبيب الذي أمضى سنوات أمام الجرحى، والذين خرجوا من تحت الأنقاض، جميعهم يحملون شيئاً من العالم الذي مر فوق أجسادهم. في "أيادٍ وخوف" يظهر أبو أحمد، الرجل الذي فقد يده في الحرب، داخل القبو الذي احتمى فيه الناس من الغارات. وفي "محجر عين" تتقدم صورة أخرى لهذا الخراب عبر طبيب يجد نفسه وسط الجرحى والقتلى.

في الختام، استطاع محمد حاج حسين من خلال متواليته القصصية "اعترافات المسخ" أن يجعل القبح أكثر من صفة للملامح، محولاً إياه إلى تجربة إنسانية كاملة تصنعها الحرب وتعمقها الغربة وتكرسها نظرة الآخر.

شارك الخبر: