لبنان
اقتصاد

زحلة: تناقضات بين نهار ركود وليالي سياحية صاخبة.. هل تفقد المدينة رونقها؟

المدن٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٦ ص0 مشاهدة
زحلة: تناقضات بين نهار ركود وليالي سياحية صاخبة.. هل تفقد المدينة رونقها؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ليل زحلة ليس كنهارها: عاصمة البقاع خسرت رونقها وجيل الشباب" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تعيش مدينة زحلة تناقضًا صارخًا بين ساعات النهار التي يخيّم عليها الملل وركود الأزمات، وساعات المساء التي تنبض بالحياة والصخب في مطاعمها ومؤسساتها السياحية. هذا التباين الحاد يجعل المدينة تبدو وكأنها كيانان يعيشان في عالمين مختلفين، حيث تتجلى تداعيات الأزمات اللبنانية في وضح النهار، بينما يختفي كل شيء مع حلول الظلام، مما يثير تساؤلات حول قدرة السياحة، إذا بقيت الركيزة الوحيدة، على الصمود دون قاعدة اقتصادية وخدماتية متينة تدعمها على مدار العام.

بعد تأخر نسبي في بداية الصيف، شهدت زحلة حركة سياحة داخلية مقبولة منذ شهر تموز، بحسب نورما مرجبا، مديرة أحد أقدم فنادق المدينة. ومع ذلك، تعبر مرجبا عن أسفها لعدم القدرة على وضع استراتيجيات طويلة المدى بسبب تقلبات الواقع، حيث قد تؤدي الأزمات المفاجئة إلى خسائر كبيرة رغم الاستعدادات لفصل الصيف. وتشير إلى أن حركة شهري تموز وآب فاجأت الكثيرين، وأن من كان مستعدًا تحمل أعباء رواتب الموظفين لأشهر دون دخل كافٍ.

تعتبر حركة الفنادق مؤشرًا لجذب الزوار، لكن معظمهم من المحليين، مدفوعين بمواسم الأعراس أو زيارة المطاعم. ويُفتقد بشكل كبير حضور المغترب الزحلاوي الذي كان محدودًا هذا العام. ورغم ذلك، هناك انتعاش ملحوظ في القطاع المطعمي، يعزوه البعض إلى الاستثمارات الحديثة التي سمحت لزحلة بالحفاظ على مكانتها كمتنفس للباحثين عن تجربة ترفيهية بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية.

لكن هذه الحركة السياحية لا تعني عودة الدورة الاقتصادية للمدينة إلى طبيعتها. فالأسواق تعيش ركودًا غير مسبوق، وتحول المدينة لم يعد مجرد عامل واحد، بل تغيير عميق في طبيعتها ووظائفها الاقتصادية. ففي الماضي، كانت أسواق زحلة تضم عيادات طبية ومكاتب محاماة ومؤسسات عديدة تجذب الناس من المنطقة، وكان الزائر يكمل زيارته بالتسوق. أما اليوم، فقد انتقلت نسبة كبيرة من هذه الخدمات إلى مواقع أخرى، وتضاءلت مركزية زحلة الإدارية، وزادت العطل الأسبوعية وفوضى الدوائر الرسمية من صعوبة الاعتماد على الحركة الإدارية كرافعة للنشاط التجاري.

تغير المستهلك أيضًا، فاحتياجاته وتوقعاته وطريقة بحثه عن السلع والخدمات تغيرت، خاصة بعد جائحة كورونا التي عززت التسوق الإلكتروني. وترافق هذا التحول الرقمي مع تدهور مالي ونقدي أضعف القدرة الشرائية وغير آليات التعامل. تصف إحدى صاحبات المؤسسات التجارية الوضع بأنه "الأسوأ منذ سنوات طويلة"، مشيرة إلى أن التعامل النقدي أصبح القاعدة، مع تراجع السيولة والقدرة على تمويل دورة العمل.

في حلقة مفرغة، يؤدي تخفيض النفقات إلى تقليص الإنفاق، مما يحد من القدرة على التطوير، وهذا بدوره يضعف الجاذبية التجارية. ويحذر رئيس جمعية التجار من أن العديد من المؤسسات بدأت تنفق من رأسمالها الاستثماري للبقاء، في ظل غياب التمويل من المؤسسات المانحة والمصارف. والأخطر أن بعض المؤسسات تقترب من الاستسلام، فالاستمرار أصبح قرارًا مكلفًا مع تزايد المخاطر وتراجع الحوافز.

لم يعد الاعتماد على عناصر الجذب التقليدية كافيًا. فكما أن كأس العرق لم يعد وحده قادرًا على استقطاب الشباب، فإن الخدمات التجارية والسياحية والترفيهية تحتاج إلى التماشي مع تطور ذهنية المستهلك. المطلوب هو إعادة تعريف تجربة التسوق في زحلة، بحيث لا يأتي الزبون لشراء سلعة فقط، بل لتجربة متكاملة. هذا يتطلب تطوير المساحات العامة، وخلق أجواء تواكب العصر، وتوفير الإنترنت، وتحسين البيئة المحيطة بالمتاجر، والانتقال من مفهوم السوق التقليدي إلى مفهوم "open mall".

يتطلب جذب الاستثمارات بيئة مشجعة، مدينة ذات حركة وهوية وزبون ومساحة قابلة للتطوير. ومع ضعف التخطيط العام وغياب الاستقرار الأمني والاقتصادي، يصبح جذب الاستثمارات أكثر صعوبة. ورغم أن الاستثمار في السياحة يبدو أكثر جاذبية، إلا أنه لا يقترن بسلاسل عالمية، بل بمبادرات فردية لأبناء زحلة لا تنجح في التحول إلى منظومة اقتصادية متكاملة.

مع حلول الشتاء، تتراجع الحركة السياحية والاجتماعية، مما يثير القلق بشأن مستقبل زحلة. فإذا كان الجيل الشاب يغادر المدينة بحثًا عن فرص، فإن المشكلة تتجاوز مبيعات المتاجر لتشمل مستقبل السوق نفسها. المدينة التي تعيش نهارًا على الركود وليلاً على السياحة تعاني من انفصال مقوماتها. السياحة تحتاج إلى تجارة، والتجارة تحتاج إلى حركة سكانية وخدماتية، والاستثمار يحتاج إلى بيئة حاضنة، والشباب يحتاج إلى فرص تجعل المدينة مكانًا للحياة والعمل.

تحتاج زحلة إلى إعادة تعريف وظيفتها، وجعل الناس يأتون إليها لأسباب متعددة، وتحويل الزيارة إلى تجربة متكاملة تمتد من النهار إلى الليل، ومن التسوق إلى الخدمات، ومن السياحة إلى العمل والاستثمار. عندها فقط يمكن للمدينة أن تخرج من معادلة "زحلة ليلاً" وتستعيد حيويتها على مدار الساعة.

شارك الخبر: