لبنان
سياسة

قانون العفو العام في لبنان: بين الرحمة الإنسانية وصرامة العدالة

النهار٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٢٦ م0 مشاهدة
قانون العفو العام في لبنان: بين الرحمة الإنسانية وصرامة العدالة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "العفو العام في لبنان... بين صرامة العقوبة وإنسانية الرحمة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد سنوات من الجدل السياسي والقانوني، وافق مجلس النواب اللبناني على قانون العفو العام وتخفيض بعض العقوبات بشكل استثنائي. يرى المؤيدون لهذه الخطوة أنها تمثل مدخلاً لمعالجة أزمة الاكتظاظ في السجون والموقوفين الذين لم يحاكموا بعد، بينما يعرب المعارضون عن قلقهم من أن يأتي هذا القانون على حساب حقوق الضحايا وهيبة النظام القضائي.

لا يمكن تقييم القانون بشكل مطلق بالقبول أو الرفض، فهو يتضمن جوانب تلبي حاجة إنسانية وعدلية ملحة، وفي الوقت نفسه يثير تساؤلات حول المساواة والمساءلة والأمن الاجتماعي. تعاني السجون اللبنانية من اكتظاظ شديد، ويقضي العديد من الموقوفين سنوات خلف القضبان دون صدور أحكام بحقهم. لقد تحول التوقيف الاحتياطي، الذي يفترض أن يكون إجراءً استثنائياً، إلى عقوبة في كثير من الحالات تسبق المحاكمة، مما يمس بمبدأ افتراض البراءة والحق في محاكمة عادلة وفي وقت معقول.

يشمل العفو الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار 2026، ويؤدي إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات والتدابير المشمولة به. في المقابل، استثنى المشرّع جرائم خطرة، منها القتل، الإرهاب، الخيانة، التجسس، الفساد، الإثراء غير المشروع، تبييض الأموال، تمويل الإرهاب، الجرائم المصرفية المتعلقة بأموال المودعين، الاغتصاب، الاتجار بالبشر، العنف الأسري، الاعتداء الجنسي على القاصرين، التعذيب، الإخفاء القسري، وبعض جرائم المخدرات والسرقة. تُعد هذه الاستثناءات من محاسن القانون، حيث تسعى للموازنة بين الغاية الإنسانية للعفو وعدم التساهل مع الجرائم التي تمس حياة الإنسان وكرامته وأمن المجتمع والمال العام.

كما يعالج القانون أوضاع الموقوفين الذين تجاوزت مدة توقيفهم السقف المحدد، مما يتيح إطلاق سراحهم مع استمرار محاكمتهم وفق الأصول. هذا لا يعني إعلان البراءة، بل يسمح باستكمال المحاكمة من خارج السجن بعد بلوغ مدة التوقيف حداً استثنائياً. ويُحسب للقانون أنه لم يُسقط الحقوق الشخصية للمتضررين، إذ يبقى للضحية الحق في المطالبة بالتعويض. كذلك، يعفي المحكومين الذين أنهوا مدة عقوبتهم لكنهم لا يزالون موقوفين بسبب عجزهم عن تسديد الغرامات والرسوم، وهو ما يعزز المساواة ويمنع تحول العجز المادي إلى سبب إضافي لسلب الحرية.

مع ذلك، يستدعي التطبيق حذراً ودراسة دقيقة لكل ملف، منعاً لاستفادة حالات لا تنسجم مع غاية القانون، مع ضرورة توحيد المعايير القضائية في تفسير الاستثناءات. ويبرز تساؤل مهم حول تخفيض عقوبات بعض الجرائم المستثناة من العفو: فهل يكفي استثناء الجريمة من العفو، أم ينبغي استثناؤها كذلك من الخفض الاستثنائي للعقوبة؟ القانون العادل لا يفتح أبواب السجون فحسب، بل يضمن ألّا يدخلها بريء، وألّا يبقى فيها موقوف بلا محاكمة، وألّا يخرج منها من يشكل خطراً جدياً من دون رقابة وتأهيل. لذلك، يشكل العفو خطوة إنسانية، لكن نجاحه يبقى مرتبطاً بإصلاح القضاء، وضبط التوقيف الاحتياطي، وتطوير العقوبات البديلة، وتأهيل السجون، وحماية حقوق الضحايا؛ وإلا بقي معالجة موقتة لأزمةٍ متجددة.

شارك الخبر: