الجنوب اللبناني على مفترق طرق: اليونيفيل تؤكد على الخط الأزرق في مواجهة التمدد الإسرائيلي


هذا الخبر بعنوان "الجنوب بين خطين أزرق وأصفر: "اليونيفيل" تعلن "شهادةً أخيرة"!" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتخبط لبنان الرسمي عند مفترق دبلوماسي حساس، مع تضاؤل الرهانات على خرق في جولات التفاوض التي لا موعد لاستئنافها، وتطفو على السطح أزمة تثبيت "الشرعية الدولية" في الجنوب. تتجلى الإشكالية في تعثر الطروحات المتعلقة بمرحلة "ما بعد اليونيفيل"، حيث تصطدم المساعي الدبلوماسية التي قادها رئيس الجمهورية جوزاف عون واستكملها قائد الجيش العماد رودولف هيكل في روما، للبحث في صيغ جديدة لقوة بديلة أو آلية تحقق، بواقع سياسي وأمني معقد.
الدول المقترحة للمشاركة ترفض إرسال عناصرها إلى منطقة تفتقر للحد الأدنى من الاستقرار، وتصر على ضمانات أمنية قاطعة ووقف شامل للنار كشرط مسبق. في المقابل، ترفض تل أبيب تقديم أي ضمانات بالانسحاب أو التهدئة، وتعمل لإفراغ الجنوب من "الشاهد الدولي المزعج"، مما يجعل الطروحات الدولية مجرد أفكار معلقة تفتقر لآليات التنفيذ.
تدور مواجهة مصيرية حادة في الجنوب حول الحدود والخطوط الفاصلة، وهو ما أوردته اليونيفيل في بيانها، مذكرة المجتمع الدولي بالثوابت القانونية ومشّددة على أن "الخط الأزرق" لعام 2000 هو المرجع الدولي الوحيد المعترف به للانسحاب، وأن أي وجود عسكري إسرائيلي شماله يشكل انتهاكًا صريحًا للقرار 1701. هذا الموقف الأممي الحازم يثبّت موقع اليونيفيل كشاهد في الجنوب، في مواجهة محاولات إسرائيل الميدانية لفرض مصطلح "الخط الأصفر" كأمر واقع جغرافي وسياسي، بعد إسقاط المظلة الأممية وإفراغ اتفاق الإطار من مضمونه.
في الموازاة، تسعى إسرائيل لاستغلال تعثر المفاوضات والفراغ المرتقب للمرجعية الدولية في الجنوب، لتثبيت نقاط سيطرة استراتيجية جديدة، بدءًا بمرتفعات علي الطاهر. سيطرتها على هذه النقطة ستكون مدخلًا للمطالبة بنطاقات حماية أوسع لقواتها المتوغلة، وقد تتمدد نحو القمم العليا في إقليم التفاح وأعالي جبل الريحان، وصولًا إلى منطقة كفرحونة وجزين للتحكم بالبقاع الغربي. الانزلاق نحو هذا السيناريو يعيد الجنوب عمليًا إلى الاحتلال ومربعات الترتيبات الأمنية التي سادت قبل عام 2000.
أعلن مصدر عسكري إسرائيلي أن حزب الله "تعرض لأضرار كبيرة، لكنه لا يزال قائماً كتنظيم، ولذلك المعركة معه لم تنتهِ بعد. ونأمل ألا نضطر إلى العمل عسكرياً في عمق لبنان". يبقى رهان لبنان منصبًا على دور واشنطن لمنع الوصول إلى هذا السيناريو، لكن الأمريكيين يطلبون من لبنان دفع أثمان غالية في المقابل، تتعلق بالحسم في ملف نزع السلاح. يتخبط لبنان بين سرعة تحرك الدولة لتدارك الأسوأ، ورهان حزب الله وإيران على عامل الوقت لتمرير استحقاقي الانتخابات الإسرائيلية والأميركية.
لا يمكن فصل التصعيد الميداني عن الاشتباك على المرجعية. التفجيرات التي هزّت المنصوري ومركبا وصربين، وما رافقها من قصف مدفعي وعمليات نسف وتجريف، هي جزء من عملية متدرجة لإعادة تشكيل الجغرافيا التي ستوضع لاحقًا على طاولة التفاوض. إسرائيل لا تنتظر المفاوضات لتحديد مطالبها، بل تسعى لخلق الوقائع التي ستصبح منطلقًا لها. تدمير المنازل والبنى التحتية، وتوسيع المناطق التي يتعذر على الأهالي العودة إليها، يعني تحويل الاحتلال المحدود إلى نطاق أمني مفتوح.
في المقابل، لا يزال البحث في القوة البديلة لليونيفيل عند عتبة الأفكار الأولية. الدول التي طلب لبنان استطلاع إمكان مشاركتها، من سويسرا إلى إيطاليا وغيرها، تريد تعريفًا واضحًا للصلاحيات، وتحديدًا للبقعة الجغرافية، وضمانات لحماية عناصرها، ووقفًا للعمليات الإسرائيلية يتيح لها العمل بالتنسيق مع الجيش اللبناني. المشكلة أن الضمانة المطلوبة من هذه الدول هي نفسها ما ترفض إسرائيل تقديمه، مما يمكن تل أبيب عمليًا من تعطيل أي صيغة بديلة.
تمثل اليونيفيل، بالنسبة لإسرائيل، أكثر من قوة عسكرية محدودة الفاعلية. إنها الجهة التي توثق الخروق وتعيد كل نقاش حدودي إلى الخط الأزرق والقرار 1701. إبعادها لا يهدف إلى إزالة عقبة ميدانية، بل إلى إزالة مرجعية قانونية تقف بين إسرائيل وبين فرض خطوط جديدة. "الخط الأصفر" ليس حدودًا معترفًا بها، ولا يستند إلى قرار دولي، بل هو توصيف إسرائيلي لنطاق عسكري متحرك. حين تؤكد اليونيفيل أن الخط الأزرق هو المرجع الوحيد، فهي تسقط الشرعية عن "الخط الأصفر" وتمنع تحويله إلى قاعدة ضمنية لأي تسوية لاحقة.
تكتسب مرتفعات علي الطاهر أهميتها من موقعها المشرف، لكن خطورتها السياسية تتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة. إذا ثبتت إسرائيل وجودًا فيها، ستطالب بنطاق حماية حولها، ثم بنطاق إضافي لحماية نطاق الحماية نفسه. هكذا تتمدد السيطرة من النقطة إلى محيطها، ومن المحيط إلى شبكة من المرتفعات والطرق والقرى. الخشية أن تصبح علي الطاهر مدخلًا نحو بركة الجبور ومرتفعات الريحان والقمم المشرفة على إقليم التفاح، بما يتيح لإسرائيل التأثير في حركة واسعة تمتد إلى كفرحونة وجزين وتلامس البقاع الغربي.
يبقى لبنان معلقًا على موقف واشنطن. عودة رئيس فريق التنسيق الخاص بلبنان، جوزاف كليرفيلد، مرتبطة بتحقيق خرق في ملف المنطقة التجريبية أو وقف النار. لا موعد رسمي للمفاوضات حتى الآن، فيما توحي المعطيات بأن إسرائيل تنتظر غطاءً أميركيًا لأي توسع جديد. الإدارة الأمريكية تربط الضغط على إسرائيل بتقدم لبناني حاسم في ملف حصر السلاح بيد الدولة. وهكذا، يجد لبنان نفسه أمام معادلة قاسية: يُطلب منه تنفيذ التزامات داخلية شديدة الحساسية، فيما لا يحصل في المقابل على ضمانة مسبقة بالانسحاب أو وقف الاعتداءات.
يراهن حزب الله وإيران على الوقت وتبدل الظروف الانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن الوقت ليس عنصرًا محايدًا. فما قد يفتح نافذة سياسية لاحقًا، تستخدمه إسرائيل الآن لتغيير خريطة الجنوب. وكل يوم يمر بلا وقف للنار أو عودة للمفاوضات يمنحها فرصة إضافية لتثبيت نقطة، وتدمير قرية، وتوسيع نطاق أمني جديد. لا تكمن الأولوية اللبنانية في انتظار التسويات، بل في منع تحول الوقائع الميدانية إلى مرجعية سياسية. وهذا يتطلب تثبيت الخط الأزرق، وحماية حضور دولي فاعل، وتسريع انتشار الجيش، وربط أي نقاش داخلي حول السلاح بضمانات واضحة للانسحاب الإسرائيلي وعودة الأهالي. وإلا، سيصل لبنان إلى المفاوضات بعدما تكون إسرائيل قد رسمت بالنار الحدود التي تريد التفاوض عليها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة